يدرك كل أميركي ممن عاش خلال ربع القرن الماضي تقريباً مفهوم «حلقة الديون المفرغة»، إذ تؤدي العجوزات الحكومية الضخمة، على سبيل المثال، إلى ارتفاع أسعار الفائدة، مما يضطر الحكومة لدفع تكاليف أكبر للاقتراض، فضلاً عن إنقاذ البنوك التي تحوز سنداتها المتعثرة، وهو ما يغرقها في مزيد من الديون. وهكذا تتكرر الحلقة.
وسيظهر نوع جديد من الحلقات المفرغة خلال ربع القرن المقبل، مدفوعاً بتغيُّر المناخ وارتفاع درجات حرارة الكوكب. فإذا واجهت حكومة أو بلدة في تكساس ميزانية ضيقة ومخاطر مناخية، ذهبت أموال الاستعداد للكوارث إلى سداد الديون.
وعندما تقع الكارثة حتماً، تضطر الحكومة إلى اقتراض المزيد للتعافي، غالباً بأسعار فائدة أعلى، ما يقلص قدرتها على الاستثمار في تدابير الوقاية من الكارثة التالية.
ويمكن تسميتها «حلقة المناخ المفرغة». وتتناول دراسة نُشرتها مجلة «ساينس» مثالاً حديثاً هو جامايكا. وخفضت حكومتها خلال عقد ديونها من 144% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2013 إلى 65% عام 2024. وكلفها ذلك 3.1 مليار دولار سنوياً، ستة أضعاف إنفاقها على الطرق والجسور وغيرها من البنية التحتية المعرضة للكوارث. لكنه أثمر ترقيات لتصنيفها الائتماني، حيث منحتها وكالة «ستاندرد آند بورز» في سبتمبر 2025 تصنيفاً عند مستوى «بي بي»، وهو الأعلى في تاريخها، مع نظرة مستقبلية «إيجابية». لكن التصنيفات الائتمانية لا توقف الأعاصير.
فبعد شهر من الترقية، ضرب إعصار ميليسا جامايكا من الفئة الخامسة، في واحدة من أقوى عواصف الأطلسي، مقوضاً جهودها المالية. وبلغت الخسائر 12.2 مليار دولار، أي 57% من الناتج المحلي الإجمالي لجامايكا. ولم يفد تأمين الكوارث في جامايكا عملياً، فقد امتلكت البلاد سندات كوارث وتأميناً قائماً على مؤشرات للعاصفة، مثل سرعة الرياح. لكن قيمة سند الكوارث كانت 150 مليون دولار فقط، ولم يدفع التأمين سوى 92 مليوناً، أي أنهما غطيا أقل من 2% من الأضرار. وتطلبت تغطية الباقي اقتراضاً، فارتفعت خدمة الدين من 3.1 مليار دولار إلى أكثر من 3.7 مليار، واتسعت الفجوة بين سداد الديون وحماية البلاد من العواصف المقبلة.
وبعد شهرين من إعصار ميليسا، خفضت «ستاندرد آند بورز» النظرة المستقبلية لجامايكا من «إيجابية» إلى «مستقرة». وقالت «أيوشي ميشرا»، عالِمة البيئة بجامعة نورث إيسترن، إحدى مؤلفات دراسة «ساينس»: «يكافئ النظام الحالي البلدان على سداد الديون، لكنه لا يكافئها على توفير الحماية من الخسائر. لا ينبغي أن تضطر البلدان للاختيار بين المسؤولية المالية وحماية نفسها». ولا تعتبر جامايكا أول دولة تدخل الدوامة، ولن تكون الأخيرة. وحددت «ميشرا» وزملاؤها نحو 35 دولة جزرية مثقلة بالديون ومعرضة للخطر، وقد تتسع المجموعة مع ارتفاع حرارة الكوكب وتفاقم الكوارث.
وهناك أيضاً مجموعة أكبر بكثير من الكيانات المعرضة لهذه «الحلقات المفرغة» داخل الولايات المتحدة، وهي نحو 55 ألف جهة تقترض ضمن سوق سندات يبلغ 4.2 تريليون دولار. ووجدت دراسة بمجلة «نيتشر سيتيز» أن خطراً كبيراً يواجه هذه الجهات، كما الحكومات السيادية، هو إعادة تسعير السندات فجأة بعد كارثة، بما يطلق دوامة ديون. وتؤدي درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر أسعار الفائدة على السندات البلدية قليلاً في المتوسط، لكن الاقتراض لتغطية أضرار الكوارث يربك الأوضاع المالية للجهات البلدية.
ومن الأمثلة، تعثر وكالة إعادة تطوير بارادايس بكاليفورنيا بعد حريق كامب فاير عام 2018. ويشكل ارتفاع تكاليف الاقتراض في كوربوس كريستي وسط أزمة المياه مثالاً آخر. وسيجلب المستقبل الأكثر حرارة مزيداً من الأزمات، وكذلك مطالبة إدارة ترامب الولايات والمحليات بتحمل أعباء أكبر للاستعداد للكوارث والتعافي. ولن يحل الاعتماد على الدائنين الخاصين المشكلة، فهو لم يوقف تراجع الاستثمار الأميركي في البنية التحتية الحيوية، الذي اتسعت فجوتُه إلى 9.1 تريليون دولار، وفق الجمعية الأميركية للمهندسين المدنيين. وصُممت أنظمة الديون السيادية والبلدية، مثل التأمين، لعصر لم تكن فيه الكوارث المناخية المليارية معتادة.
وحتى مع الالتزام بالقواعد، كما في جامايكا، ينهار النظام. ويحتاج المقترضون في البلديات إلى بنود تؤجل سداد الديون بعد الكوارث. وينبغي لصندوق النقد الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف والدائنين إسقاط ديون مكافأةً للإنفاق على الصمود، فسداد الديون وتجنب الخسائر لا يتعارضان. ويمكن للدول تجميع أموالها إقليمياً وعالمياً لمساندة بعضها.
ويتطلب منع حلقات التدهور المرتبطة بالديون المناخية إرادة سياسية ومخيلة تبدو غير متوافرة. لكن إذا كان هناك درس واحد تعلمناه بعد عقود من الكوارث المالية والمناخية، فهو أن تحمُّل القليل من الألم اليوم سيجنّبنا الكثير منه في المستقبل.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا تغيُّر المناخ


