كان الكلام يدور في المقال السابق حول سؤال "إلى أين؟"، وكان الهدف هو التدقيق في معنى "الديمقراطية" عندما نضعها كمطلب يلخص حاجاتنا في الظرف الراهن. وقد انتهينا إلى أن هذا المطلب لا يلغي المطلب السابق الذي كان يعبر عنه شعار "الاشتراكية" عندما يعني العدالة الاجتماعية خالصة من الطموحات الإيديولوجية، بل يحتويه احتواء الشكل للمضمون. وقلنا إن هذا الترابط بين الديمقراطية كأسلوب للحكم وبين العدالة الاجتماعية كمضمون للنظام الاجتماعي الاقتصادي هو ما يشكل مسار العصر الحديث رغم جميع التوجهات والطوارئ المخالفة.
مسار واحد وهدف واحد، ولكن الطرق والمراحل تختلف، لأن شعوب الأرض ليست على درجة واحدة من التطور. هناك شعوب حققت الديمقراطية السياسية وقطعت أشواطا في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهناك بالمقابل بلدان لم تحقق الديمقراطية بعد، وهي أبعد ما تكون عن العدالة الاجتماعية، وهذه هي التي تعيش اليوم، بصورة أو بأخرى، الحاجة إلى "الانتقال إلى الديمقراطية" كشكل للنظام السياسي و"العدالة الاجتماعية" كمضمون للنظام الاجتماعي.
وإنما قلنا "بصورة أو بأخرى" لأن هذه البلدان ليست على درجة سواء في هذا الأمر. قد يجمعها اسم واحد كـ"العالم الثالث"، ولكن لا يجمعها في الواقع إلا كونها تعاني، بهذه الدرجة أو تلك، من الحاجة إلى "الانتقال إلى الديمقراطية". وهي "حاجة" إشكالية، أعني أنها تطرح سؤالا إشكاليا.
كانت الإشكالية التي استبدت بأنظار المفكرين والمنظرين في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين في "العالم الثالث" خاصة تصاغ كما يلي: "كيف يمكن تحقيق الاشتراكية في بلد متخلف؟". وقد رأينا كيف أن استعصاء الجواب النظري قد أفسح المجال لجواب عملي حل محله وهو "الثورة" التي تولت القيام بها القوة المنظمة الوحيدة في هذه البلدان، أعني الجيش الذي يبدأ بالإجهاز على ما كان قائما من مظاهر "الديمقراطية" ليختبئ، بصورة أو أخرى، وراء حزبه الوحيد.
واليوم وقد حل مطلب الديمقراطية محل شعار الاشتراكية يبدو وكأن نفس السؤال الإشكالي يفرض نفسه مرة أخرى: "كيف يمكن الانتقال إلى الديمقراطية في بلد متخلف؟" وإنما يكتسي هذا السؤال طابعا إشكاليا بالنظر إلى أن الديمقراطية الحديثة إنما قامت في أوروبا كنتيجة لثورة الطبقة الوسطى، تماما كما كان ينتظر أن تقوم فيها الاشتراكية نتيجة ثورة الطبقة العاملة! فهل هذه الطبقة الوسطى مهيأة في العالم الثالث اليوم للقيام بهذه المهمة: مهمة الانتقال إلى الديمقراطية؟ هل تستطيع تنحية دولة العسكر وحزبها في البلدان التي تحرك فيها العسكر باسم "الثورة"؟ وهل تستطيع تغيير الدولة القائمة على أسس غير ديمقراطية في البلدان التي لم تعرف مثل هذا التحرك؟
تنقلنا هذه الأسئلة مباشرة إلى سؤالنا الرئيسي الأول: "من أين"؟ من أي وضع غير ديمقراطي يكون الانتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي؟
إن "الوضع غير الديمقراطي" في العالم العربي وضع متعدد. هناك أقطار عاشت في الستينيات إشكالية "الانتقال إلى الاشتراكية"، كمصر وسوريا والعراق والجزائر مثلا، وبالتالي فالجواب فيها عن سؤال "من أين؟" يطرح تصفية الوضع القائم اليوم والمنحدر من "ثورة" العسكر الذي نصب نفسه فيها كـ "طبقة عليا دائمة".
تلك هي الخطوة الأولى.
وإلى جانب الأقطار التي ذكرنا كانت هناك أقطار تعيش وضعا مختلفا: في شبه الجزيرة العربية دول في الخليج كانت بصدد الخروج، في الستينيات، من نوع خاص من الاستعمار إلى نوع خاص من الاستقلال. وأخرى كانت، في الفترة نفسها، بصدد الخروج من نوع خاص من القرون الوسطى إلى نوع خاص من "العصر الحديث". وكانت هناك أقطار أخرى تعيش وضعا آخر خاصا بها مثل تونس والمغرب. لقد تبنى هذان البلدان منذ استقلالهما نوعا من النظام الليبرالي مغلف بهيمنة الدولة، أو قل تنشئه الدولة! إضافة إلى أنهما لم يعرفا دولة "ثورة العسكر". وإذا كان المغرب قد بقي محكوما بملك وتوجد فيه أحزاب بعضها تنشئه الدولة وبعضها يعارض الدولة، أعني اختياراتها، فإن تونس ظلت محكومة بحزب وحيد على رأسه "ملك" يحمل اسم "الرئيس".
فعلا، عرف المغرب مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي ما عرف بـ"حكومة التناوب": الملك يدعو حزب المعارضة التاريخية ليرأس حكومة ويشارك فيها ببضعة وزراء! لقد بدت لنا تجربة "التناوب" في المغرب، في حينها، أشبه بالوضعية التي قامت في إيران مع حكومة خاتمي: فالعسكر هنا وهناك داخل ثكناته خارج المسرح السياسي، تقريبا. والتعددية الحزبية متوفرة في البلدين إما على صورة أحزاب وإما على شكل تيارات. والشبه قوي بين بنية الدولة هنا وبنيتها هناك، ويتمثل خاصة في وجود رئيس حكومة إصلاحي هنا وهناك يحظى كل منهما بتأييد شعبي ودولي واسع، ولكن مشكلتهما أنهما لا يمارسان السلطة لأن مراكز القرار ليست في يديهما، بل هي في أيدي القوى المحافظة التي تعترض سبيل التغيير والإصلاح بشكل أو بآخر، حفاظا على وضعها كصاحبة السلطة الحقيقية. ويمكن أن نضيف شيئا ما من التشاب


