يتجه كثير من دول العالم بخطوات متسارعة نحو تنظيم وإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية الداخلية، لرفع كفاءة منشآتها ومؤسساتها، استعدادا لمنافسة دولية حتمية يتهيأ العالم لخوضها خلال السنوات القليلة المقبلة. ومن بين العوامل الأساسية التي يتم التركيز عليها في هذا المضمار العنصر البشري المؤهل والمبدع، باعتباره الميزة النسبية والعامل الحاسم وخط الدفاع الأول للصمود, أمام مزيد من الانفتاح الاقتصادي المرتقب بين الدول فرادى وتكتلات أو جماعات. وهناك إدراك عالمي متزايد بأن المهارات البشرية ورأس المال الفكري تعد عوامل أساسية في تعزيز القدرات الإنتاجية والتنافسية للأمم، ومكونات حيوية لاقتصاد المستقبل ومفاتيح النمو الناجح. وفي هذا المضمار الذي تسير عليه دول العالم مجتمعة اليوم بسرعات متفاوتة، تصبح التنمية المهنية والتدريب أثناء العمل ضرورة حتمية وأداة لا غنى عنها لتحقيق أهداف وغايات التنمية الشاملة والمستدامة، بل وإن الدراسات المتخصصة تشير إلى أن التعليم الرسمي يعزى إليه 15% فقط من العوائد الإنتاجية التي يحققها الأفراد، في حين يعود 85% من عوائد الإنتاج إلى ما يحصلون عليه من تنمية لمهاراتهم أثناء العمل. انطلاقاً من هذا التوجه العالمي، وبناء على المفهوم الشامل القائم على أن "الثروة الحقيقية لأية أمة إنما تتمثل في مواردها البشرية" والذي رسخه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، يأتي القانون الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بشأن إنشاء دائرة الخدمة المدنية في أبوظبي، كأحد الركائز الأساسية في صرح التنمية البشرية الشاملة والمستدامة في الدولة بصفة عامة. ويتوقع أن يكون لهذه الدائرة الوليدة دور محوري في تنمية وتطوير قدرات ومهارات العاملين في الخدمة المدنية لمواكبة التطور التقني وإدارة المتغيرات التي تحدث فيه بكفاءة عالية، وكذلك مواجهة الظروف المحلية والعالمية المتغيرة باستمرار، وذلك من خلال وضع وتطوير نظم الموارد البشرية والإجراءات المرتبطة بها لتعميمها على الدوائر المحلية في الإمارة، ووضع الآليات الضرورية وتقديم الدعم اللازم لهذه الدوائر، بما يضمن تنفيذ الخطط والاستراتيجيات المطلوبة.
إن استحداث دائرة للخدمة المدنية في أبوظبي، مبنية على أسس علمية وعملية سليمة، ومجهزة بأدوات ومهارات تدريبية متكاملة، يتيح لها أن تقود عملية الإعداد والتدريب والتأهيل المستمر لجميع الفئات العاملة في الدوائر والوزارات الحكومية، وأن تجعل من تنمية الموارد البشرية عملية مترابطة ومتكاملة في جوانبها الأساسية، من خلال التنسيق بين "ثلاثي" سياسات التعليم والتخطيط والتدريب، والسياسات السكانية، وسياسات التوظيف والقوى العاملة، بما ينسجم مع خطط واستراتيجيات التنمية الشاملة، وبالتعاون بين مختلف الوزارات والمؤسسات والجمعيات الحكومية المعنية بتنمية الموارد البشرية وبرامجها الوطنية. وبناء على ما يمكن أن تقدمه هذه الدائرة الوليدة من دفعة قوية لعجلة تنمية الموارد البشرية في الدولة، يجب التفكير في بناء قاعدة معلوماتية لرأس المال البشري، وتشجيع الإبداع والابتكار، ودعم وتطوير البنية التحتية المؤسساتية للعناصر المتفاعلة في سوق العمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية


