"حيث قام البعض منهم بمبايعة من يتزعمهم عند الكعبة المشرفة على السمع والطاعة وتنفيذ جميع أوامره"، أحسب أن هذه العبارة من بيان وزارة الداخلية السعودية الأخير عبارة تحتاج إلى كثير من التوقّف والقراءة، لأنها تمسّ موضوعاً جوهرياً يقع في اللّب من الحوار القائم منذ سنوات حول جماعات العنف الديني وجماعات الإسلام السياسي. هذا الموضوع الذي تثيره هذه العبارة هو الحديث حول "مفهوم البيعة"، الذي ارتبط في أذهان الناس مؤخراً بالحديث عن "البيعة" التي يعطيها المنخرطون في تنظيم "القاعدة" لزعيم التنظيم أسامة بن لادن، ويتلمس الناس من بقايا الذاكرة جريمة جهيمان العتيبي في الحرم التي تمّت تحت غطاء تبريري تحدّث عنه جهيمان وغيره من أعضاء جماعته وهو أن الغرض من دخولهم الحرم كان إعطاء "البيعة" لمحمد القحطاني الذي كانوا يزعمون أنه المهدي المنتظر! بادئ ذي بدء أحب الإشارة إلى أن مفهوم البيعة في التراث مفهوم تشوبه الضبابية والغموض، وخاصّة فيما يسمّى تراثياً بـ"الأحكام السلطانية" أو "الإمامة العظمى"، فمن بيعة واحدة لإمام واحد يقود الأمة الإسلامية، إلى جواز وجود إمامين فأكثر في عصر واحد، هذا فيما يتعلق بالبيعة بما أنها عقد ولاء وطاعة تتعلق بالإمامة العظمى للمسلمين أو بالتعبير الحديث "القيادة السياسية"، غير أنه على هامش هذا الاستخدام الأصلي للمفهوم كان ثمة استخدامات أخرى و"بيعات" متعددة كانت تستخدم في فترات الاضطرابات وتخلخل الدول أو أثناء المعارك والغزوات، فمن الأخيرة "البيعة على الموت" عند اشتداد المعارك ولها شواهد متكاثرة، ومن الأولى بيعات الخوارج لقياداتهم وبيعات العباسيين التي كان أتباعهم يعطونها لشخصٍ لا يعرفونه ولا يدرون من هو! وصولاً إلى البيعة لأمير في سفر! استقر الوضع في القرون المتأخرة من التاريخ الإسلامي على أن البيعة تكون لإمام المسلمين العثماني، عن طريق ولاته في الأقطار الإسلامية، استمراراً لما كان عليه التاريخ الإسلامي من أن البيعة هي أساس الحكم، ومن خلالها يتمّ أخذ أو تأكيد المشروعية السياسية، وهي بيعة تتم لإمام المسلمين وولي أمرهم. بعد سقوط الخلافة العثمانية وتفرق الدول العربية والإسلامية إلى دول متعددة، لكل دولة قيادتها السياسية العامة، افترقت هذه الدول في السبيل الذي تختاره لأخذ أو تأكيد المشروعية السياسية، فبعض الدول استمرت في تأسيس مشروعيتها السياسية عبر مفهوم البيعة، وهذا ظاهر في الأنظمة الملكية العربية، وبعض الدول وخاصة في الأنظمة الجمهورية اتجهت إلى بناء المشروعية السياسية على أسسٍ حديثة وتجارب جاءت من الغرب، كالديمقراطية والانتخابات، أو عن طريق الأحزاب السياسية كحزب "البعث" وغيره. غير أن مساراً جديداً تمّ فتحه لهذا المفهوم، وهو مسار توسيع مفهوم "البيعة" لتصبح قابلة للتطبيق على "أمير الجماعة"، أو "قائد التنظيم"، وكان أول من دشّن هذا المنحى الفكري الذي كان انحرافاً حقيقياً لمفهوم البيعة هو حسن البنّا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين"، وانبثقت بذلك فكرة إحياء مفهوم البيعة ولكن برؤية مختلفة عمّا شهده التراث، فأصبحت البيعة لقائد الجماعة أو التنظيم، وليست لولي الأمر السياسي الذي يقود الأمة فعلياً. هذه الرؤية التي بعثها تنظيم "الإخوان المسلمين" انتقلت من بعده إلى كل تنظيمات العنف الديني في الوطن العربي، ودخلوا في خلافات حول تفاصيلها الفرعية، فنقرأ في أدبياتهم خلافهم حول "إمامة الضرير" الذي أثارته بعض قيادات "الجماعة الإسلامية" في مصر ضد قيادة عمر عبدالرحمن لها، أو صراعهم حول "إمامة الأسير" الذي أثاره عدد من منظري هذه الجماعات بعدما اعتقلت قياداتهم. نخلص من هذه الشواهد إلى أنه قد تشكل لدى هذه الجماعات التي خرج أغلبها من رحم "الإخوان" قناعة راسخة بتنزيل الأحكام الفقهية الخاصة بإمام المسلمين -كالسمع والطاعة- على قائد الجماعة، إنهم حتى لم يناقشوا هذا الأمر، بل جعلوه أمراً مسلّماً وبنوا عليه ما يلحقه من أحكام، وقد كانت البداية الحقيقية لهذا الانحراف مع حسن البنّا وجماعة "الإخوان المسلمين" كما تقدّم. إن انتشار هذا المفهوم لدى هذه الجماعات أظهر من أن يدلل عليه، لدى جماعة "الجهاد" المصرية بيعة معلنة، ولدى "الجماعة الإسلامية" في مصر بيعة معلنة، ولدى جماعة التكفير والهجرة بيعة مثل سابقاتها، ولدى جماعات العنف الديني في الجزائر بيعات معلنة ومتعاقبة، ولدى تنظيم "القاعدة" بيعة معلنة أيضاً، في سلسلة من تأكيد الانحراف في قراءة مفهوم البيعة، ذلك أن "البيعة" تمنح قادة هذه التنظيمات رقابة عقدية ذاتية يتمّ زرعها عبر هذا المفهوم لدى العناصر المنخرطة فيها. إنهم يستولون بهذا على قلب التابع وعقله ليصبح أقرب ما يكون للآلة التي تخدم أهدافهم وتنفّذ أوامرهم دون تفكير، ويقيمون بها حاجزاً دينياً يمنع أتباعهم من مخالفتهم أو مناقشتهم. لقد تمّ تجريم هذا التحريف لمفهوم البيعة لدى جماعات العنف الديني في أكثر من بلدٍ وفي أزمنة متعددة، ومنها ما جاء في إعلان وزارة الداخلية أعلاه، غير أن ما أرغب في إثارته هنا هو أننا نعلم جيّداً أن ثمّة تنظيمات للإسلام السياسي -يقف تنظيم "الإخوان المسلمين" على رأسها- وأن هذه التنظيمات لا تقبل بانخراط أحدٍ في صفوفها حتى يقدّم بيعة للمرشد العام في مصر، أو لقائدها إذا كانت جماعة غير "الإخوان"، ونعلم أن لهذه التنظيمات وجوداً مكثّفاً في دول الخليج، والسؤال الذي يجب طرحه هنا هو: لماذا لا يتمّ تجريم هؤلاء الذين يحملون ولاءً خالصاً لقائد الجماعة ويناقضون بيعة ولي الأمر ببيعة قائد تنظيم؟ لماذا لا تتمّ محاكمتهم على نقض البيعة الأولى؟ ومحاسبتهم على ازدواج الولاء الديني والوطني؟ إنهم يقسمون بقولهم "بايعنا على السمع والطاعة"، وهم بهذا ينقضون بيعتهم الأصلية لولي الأمر، وذلك أمر يفترض ألا يكون مقبولاً في الدول التي تعتبر الولاء للوطن ولاء غير مشروط أو منقوص. إن "بيعة" الإرهابيين لقياداتهم جرمٌ خطير يستحق العقوبة بلاشك، غير أنني أحسب أن خطورة "بيعة" جماعات الإسلام السياسي لقياداتهم أدهى وأمرّ، فمن حيث الأقدمية هي بيعة أقدم، ومن حيث سعة الانتشار وكثرة الأتباع هي أوسع انتشاراً وأكثر أتباعاً، ومن حيث الحرفية العالية في الآليات التنظيمية فجماعات الإسلام السياسي أكثر حرفية وتنظيماً، بناءً على كل هذه الجوانب وغيرها فبيعة جماعات الإسلام السياسي تشكل خطراً أكبر من بيعة جماعات العنف الديني، خاصةً إذا تذكّرنا أن بذور العنف الديني ومبرراته ومفاهيمه الكبرى المؤسسة قد جاء أكثرها من قيادات ورموز الإسلام السياسي، ما يعني دون شكٍ أن انخراطها في العنف أمرٌ غير مستبعد في أية لحظة تجدها هذه الجماعات مواتية لجني ثمرة السلطة والاستحواذ عليها.