انتهى ابن خلدون (المقال السابق) من استعراض حالة العمران على مستوى "أقاليم" الكرة الأرضية إلى "أن أعدل العمران وأكمله هو الموجود في الأقاليم المتوسطة المخصوصة باعتدال المناخ" (حوض البحر الأبيض المتوسط وامتداداته إلى الشرق إلى إيران والصين) . ولكن هذا لا يعني أن هذه الأقاليم هي كلها على مستوى واحد من حيث العمران. ذلك لأنه كما يختلف العمران كثرة وقلة، كثافة وتخلخلاً، وازدهاراً وانحطاطاً، باختلاف "الأقاليم"، فإنه يختلف كذلك في الإقليم الواحد، والمنطقة الواحدة، باختلاف طبيعة الأرض من حيث الشروط المادية للحياة: الخصب والجدب. وهكذا فإن هذه الأقاليم المعتدلة "ليس كلها يوجد بها الخصب، وكل سكانها في رغد من العيش. بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه لزكاة المنابت، واعتدال الطينة، ووفور العمران، وفيها الأرض الحرة التي لا تنبت زرعاً ولا عشباً بالجملة. فسكانها في شظف من العيش، مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن، ومثل الملثمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب، وأطراف الرمال، فيما بين البربر والسودان، فإن هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة، وإنما أغذيتهم الألبان واللحوم، ومثل العرب أيضاً الجائلين في القفار(...) الذين، يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان، وتعوضهم عن الحنطة أحسن معاض". إن اختلاف طبيعة الأرض من حيث الخصب والجدب، هو الذي أدى إلى اختلاف شكل العمران وأحواله بالجملة من مكان لآخر، ومن منطقة لأخرى، وهذا شيء واضح: فما دام صاحب المقدمة قد قرر أن الضرورة التي دعت الناس إلى الاجتماع، هي تحصيل الغذاء، والتعاون على كسب العيش، فإنه من الضروري كذلك أن تختلف أشكال هذا الاجتماع وأنماط هذا التعاون باختلاف الطريقة أو الوسيلة التي تفرضها الظروف الطبيعية على بني الإنسان، في الحصول على عيشهم. ومن ثمة كان "اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش". وبيان ذلك أن الأراضي القاحلة الجدباء تفرض على سكانها نمطاً معيناً من العيش، وبالتالي شكلاً معيناً من الحياة الاجتماعية: هم يقتصرون على الضروري من الأقوات لأن مناطق سكناهم لا تجود إلا بذلك، وبعد مشاق جمة، ومتاعب كثيرة، فهم يضطرون إلى التنقل من مكان لآخر طلباً للعشب والماء لحيواناتهم التي بها قوام حياتهم. أما الأراضي الخصبة، الوافرة المياه، الكثيرة العشب، فإن سكانها لا تدعوهم الحاجة إلى التنقل إلا نادراً، فهم إلى الاستقرار أميل. إن خصوبة الأرض تمكنهم من الحصول على الأقوات الضرورية بسهولة ويسر، فيصرفون الزائد من أعمالهم ونشاطهم في توسيع أحوال معاشهم وتحسينها، فيستكثرون، هكذا، "من الأقوات والملابس والتأنق فيها"، ويعمدون إلى "توسعة البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر"، وإذا بلغوا هذه الدرجة انتقلوا إلى ما فوقها فيزيدون "في أحوال الرفَه والدَّعَة، فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس(...) والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها، فيتخذون القصور والمنازل ويجرون فيها المياه، ويغالون في صرحها، ويبالغون في تنجيدها، ويتفننون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون، هؤلاء هم الحضر، ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان". إن العمران البشري يتدرج، إذن، من البساطة إلى التركيب والتعقيد. والعامل الأساسي، والمنطلق الأول في هذا التدرج، هو اختلاف طبيعة الأرض من حيث الخصب والجدب كما قلنا. وعلى أساس هذا الاختلاف، وذلك التدرج يحصل الانتقال من البداوة إلى الحضارة. وبالتالي فالعمران يمكن تصنيفه، عموماً إلى صنفين: عمران بدوي وعمران حضري. أولاً العمران البدوي: وأبسط درجاته هو ذلك الذي يخص به سكان الصحارى والقفار والبادية القليلة الخصب "مثل العرب وزناتة ومن في معناهم من الأكراد والتركمان وأهل اللثام من صنهاجة". فالمقصود بهم ليس جنساً معيناً، بل الجماعات البشرية، التي قد تختلف أصولها العرقية اختلافاً كبيراً، والتي يجمعها نمط من الحياة، أكسبها خصائص ومميزات معينة، تبدو في طباع أفرادها وأخلاقهم ومختلف أنواع سلوكهم الاجتماعي. إن الطابع العام المميز لهؤلاء، هو أنهم دائمو التنقل، كثيرو الترحال، حتى صار لهم ذلك جبلة وطبيعة، فصاروا بدون "وطن يرتافون منه، ولا بلد يجنحون إليه، فنسبة الأقطار والمواطن إليهم على السواء"، والرابطة الوحيدة التي تشد أفراداً منهم إلى آخرين، وتميز جماعات منهم عن أخرى، هي الرابطة الطبيعية، رابطة الدم التي تبقى لديهم واضحة لصفاء ونقاوة أنسابهم نتيجة تفردهم في القفر وعدم اختلاطهم مع غيرهم. إن الظروف المعيشية القاسية التي يختص بها هؤلاء قد انعكست آثارها على طباعهم وأخلاقهم وأنماط سلوكهم: فطباعهم جافية، هي إلى الطباع الحيوانية أقرب، "يتنزلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم". إن جدب الأرض وخلوها من الأرزاق، جعلهم يمدون أيديهم إلى ما بأيدي الناس، يسلبونهم أموالهم ومتاعهم، ولا يجدون في ذلك منكراً ولا ظلماً، فقد تطبَّعوا بذلك وأصبحت "أرزاقهم في رماحهم" وسيوفهم، يكسبون منها عيشهم من أسهل الطرق، طرق النهب والسلب، "دون مغالبة ولا ركوب خطر، ويمرون إلى منتجعهم بالقفر"، ولهذا كانوا لا يتغلبون إلا على البسائط، وإذا تغلبوا على وطن أسرع إليه الخراب، لأن طباعهم هذه منافية للعمران، مناقضة له، لاستحكام عوائد التوحش فيهم. إن من الشروط الأساسية لقيام العمران: الاستقرار والسكن، وهؤلاء "غاية الأحوال عندهم الرحلة والتقلب". يهدمون المباني ليتخذوا من حجارتها أثافي للقدر، ومن أخشابها أعمدة وأوتاداً للخيام. ثم إن العمران إنما ينشأ وينمو بوجود الأمن واحترام أرواح الناس وأموالهم، وهؤلاء طبيعتهم -كما قلنا- انتهاب ما بأيدي الناس، فكلما امتدت أيديهم إلى متاع أو ماعون انتهبُوه. وأيضاً فالعمران لا يزدهر إلا بالأعمال والصنائع وما يتبع ذلك من اعتبار الأجور وقيم الأعمال والأشياء، وهؤلاء متلفون لكل ذلك، لا يعرفون للعمل قسطاً من الأجر، ولا للصناعة قيمة. وأخيراً، وليس آخراً، فإن العمران البشري الذي هو الاجتماع والتعاون، لا يستقيم إلا بوجود وازع يدفع عدوان الناس بعضهم عن بعض، وهؤلاء طبيعتهم الفوضى، لا يسلم أحد منهم أمره لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره منه. فيتعدد الحكام منهم والأمراء "وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران وينقرض". ولكن مع ذلك، ونظرا لاقتصارهم على الضروري من العيش، وعدم استكثارهم من المأكولات والأخلاط، فهم "أحسن حالاً في جسومهم وأخلاقهم، فألوانهم أصفى، وأبدانهم أنقى، وأشكالهم أتم وأحسن. وأخلاقهم أبعد من الانحراف، وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات"، وبالتالي "فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها". وهكذا تجدهم أشد شجاعة وأقوى بأساً، وأكثر اعتماداً على نفوسهم في رد العدوان عنهم، "فيقومون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم دائماً يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل جانب إلى الطرق(...) -حتى- لقد صار لهم البأس خلقاً، والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ". وهذه الصفات الحميدة، قد تتغلب على صفاتهم الذميمة المذكورة آنفاً، إذا ما تدخل عامل الدين أو الدعوة الصالحة البناءة التي تخاطب ضمير كل منهم وتنسجم في مطالبها مع فطرتهم الأولى التي فطروا عليها. وهكذا "فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم، فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذ بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك". ولكن هل يستقر الملك فيهم طويلاً؟ يجيب ابن خلدون إن الملك لابد فيه من العصبية، فكما أن "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم" فكذلك الملك يبدأ في الانهيار بضعف العصبية ويزول بزوالها...