"ما الخطاب... وكيف نحلله؟"، صيغة تساؤلية اختارها الدكتور عبد الواسع الحميري عنواناً لكتابه الصادر مؤخراً، وهو استمرار لسبعة كتب نقدية أنجزها خلال 12 عاماً الماضية تتناول الذات والخطاب والنص والكلام والتجريب والنقد. وفي هذا الكتاب يستخدم منهجاً في تحليل الخطاب قائماً على دراسة الظاهرة اللغوية بحثاً عما وراءها من أنساق فكرية وأيديولوجية، وهذا ما يقتضي التعامل مع الملفوظات، ليس من حيث هي كيانات مستقلة عن متلفظيها، بل من خلال شبكة العلاقات التي تنشأ بين عناصر التلفظ خلال حضورها العيني المباشر. وهو بذلك يتبنى مفهوم النسق الناظم بين عناصر التلفظ، بحثاً عن قوانين كلية عامة تحكم السلوك التلفظي وسائر عمليات التبادل اللفظي والرمزي. وفي سبيل الإجابة على السؤال: ما هو الخطاب، وكيف نحلله؟ يقول المؤلف إنه يمكن النظر إلى الخطاب على أنه "استراتيجية التلفظ"، أو بوصفه نظاماً مركباً من أنظمة توجيهية ودلالية وتركيبية ووظيفية، تتوازى وتتقاطع فيما بينها جزئياً أو كلياً. ويعني ذلك أنه يصح النظر إلى الخطاب بوصفه "برنامج التلفظ" الذي نخضع لنظامه خلال عملية التلفظ، وقد نخرج أو نتمرد على نظامه في الوقت نفسه. إنه نظام للقول والفعل يسكن وعينا ويكيف سلوكنا، بل هو نظام العقل الذي نعقل من خلاله الأشياء ونعيها. وهنا يفرق المؤلف بين الخطاب والنص، قائلا إن النص هو ما ينصص نظامَ الخطاب، أو هو بمثابة إنجاز للبرنامج التواصلي، أي لنظام القول والفعل. وهذا يقتضي تأكيداً آخر من المؤلف على الخطاب بوصفه نظاماً للسلوك الاجتماعي والتواصلي، أي بصفاته الثلاث: نظام للتفاعل والجدل المشترك، نظام للفعل المنفرد من جانب واحد، ونظام للتبعية والخضوع. ثم يذهب الكاتب أكثر في التمييز بين النص والخطاب، من خلال تمييزه بين بنيتي الملفوظ (النص) والتلفظ (الخطاب)؛ فبنية الملفوظ هي بنية النص أو القول المفرد، من ناحية، وهي بنية النص أو القول المركب من ناحية ثانية. أما بنية التلفظ فهي بنية الخطاب بوصفه نظاماً لبناء النص أو بوصفه النسق الذي تُنسج على منواله النصوص (نصوص الأقوال ونصوص الأفعال). وهذا يقتضي القول إن بنية النص بنية سطحية أو فوقية، أما بنية الخطاب فهي البنية التحتية العميقة لكل نص منجز. ويعتقد الكاتب أنه بالانطلاق في تحليل الخطاب من شبكة العلاقات الناظمة بين الملفوظ وعناصر التلفظ، يمكن أن يتأسس منهج لأرخنة اللغة والخطاب كليهما، وذلك لأن تحليلا كهذا يقوم على أساس الربط بين الفاعل اللغوي (بوصفه المتلفظ) وفعله اللغوي (التلفظ)، وبين الفاعل اللغوي ومقام التلفظ... أي إجمالا بين اللغة وسياقها الاجتماعي والتاريخي. ويتعمق الكتاب في دراسة ملفوظ الخطاب، وحقيقة النشاط التلفظي، وعلاقات اللغة والخطاب، الملفوظ واللفظ، الملفوظ والدال، الملفوظ والجملة، الملفوظ والذات، ثم التلفظ بوصفه عالماً للتفاعل، والتلفظ في الوعي الهرمونيتيكي، والتلفظ بوصفه نشاطاً إنسانياً دالا، ثم بوصفه نشاطاً اجتماعياً، وكممارسة للسلطة، وكنشاط تمثيلي عام. ويفرد المؤلف فصلا من كتابه لتحليل علاقات "الملفوظ ومقامات التلفظ"، ليوضح أن الأصل في هذه المقامات كونها هي التي تنشئ ملفوظات (نصوص) الكلام بأنماطها المختلفة، أي تنشئ مقالات المتلفظين كفئات اجتماعية، وتوجه أقوالهم وجهات محددة، بوصفها نصوصاً. فالمقامات إذن، بما تمثله من أوجه سيسيوثقافية وأنطولوجية، تستدعي أقوالنا وتصوغ مقالاتنا (أفكارنا وتصوراتنا ورؤانا) التي تصوغ بدورها أقوالنا وتوجه أفعالنا. وفي هذا الخصوص يتعرض الكاتب إلى معنى المقام وشروطه ومقتضياته، في القرآن الكريم، وفي الوعي البياني (البلاغي)، وفي الوعي العرفاني، وفي الوعي التداولي للخطاب... ثم لأنواع المقام، وما يميزه عن كل من السياق والحال. وعامة فإن المقام هو بمثابة موضع لإقامة الكينونة المتلفظة، وهو بذلك يشكل موضعاً لاحتواء الكائن المتلفظ وتأطيره، بل قل لاستلابه وتبعيته لعالم ما يتلفظ به وعنه. وقد يكون المقام موضعاً لـ"تألق الحضور التبعي"، عندما يستطيع صانع الخطاب توظيف الحقائق والمدركات والوقائع والرموز الإدراكية وأنظمة الترميز المشتركة... لتنعكس في الوعي الجمعي للأفراد المتلقين، على شكل حالة من الإعجاب والانبهار والتأثر، تهز الوعي والمشاعر. وهذا ضرب من التألق الذي ينتج عن تآلف الخطاب والمقام. وكما يوضح الكتاب في فصله الرابع، فإن مقام التلفظ قد ينفتح على متلفظين متعددين، وينتج عن ذلك أحياناً "تألق الحضور التفاعلي (الجدلي)"، ما يحيل أفق التلفظ إلى ساحة صراع مع كل ما من شأنه أن يستلب حرية الأنا أو يهمش دورها، سواء أكانت الأنا نظاماً، أم شخصاً مخاطباً، أم وضعاً اجتماعياً، أم لغة، أم فكراً، أم منجزاً سابقاً. كذلك يتطرق المؤلف إلى "كوننة الكائن وأنسنة الكون"، ويقصد الكائن المتلفظ والكون الرمزي الملفوظي، وعلاقتهما التي تدفع إلى انفتاح الأنا على كلية الوضع الإنساني في كلية الكون. ويجد الكاتب أمثلة دالة على ذلك الانفتاح المتوتر في علاقة الذات بالعالم، أي "جدل الكائن والكون الرمزي"، في خطاب الحداثة الشعري. أما "تألق الحضور المتعالي" فيشير إلى مفهوم آخر للمقام، أي بوصفه موضعاً لتعالي الكينونة المتلفظة على عالم ملفوظاتها، متضمناً تعاليها على ما تتلفظ به. وأخيراً يحلل الكتاب ظاهرة "التعددية في الخطاب الشعري"، بوصفها تلفظاً تتعدد فيه مواقع التلفظ، وطرائقه والفواعل فيه والأصوات المتلفظة، كاشفاً ملامح هذه الظاهرة في الخطاب الشعري، وأشكال تجلياتها في ملفوظات الشعراء قديماً وحديثاً. هنا يذكرنا المؤلف بتمييزه بين الخطاب والنص، ثم يمضي مستكملا هذا المحور من كتابه الغني والمفيد، لكن المحاط بأسوار حرفية التخصص النخبوي. محمد ولد المنى الكتاب: ما الخطاب وكيف نحلله؟ المؤلف: د. عبد الواسع الحميري الناشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع تاريخ النشر: 2009