الجلبي والحرب على المالكي!
يُنقل عن السياسي العراقي أحمد الجلبي أنه قال حال سقوط دولة "البعث" (أبريل 2003): "سقطت دولة السُنَّة"! مع أن الرجل لا يبدو عليه الانفعال الطائفي، مثلما تجده يفيض من دواخل الطائفيين: السُنَّة والشيعة! مع علمنا أن اللعب على الوتر الطائفي بذريعة التسلط الشيعي والانكفاء السُنَّي هو الذي بدأ الفتنة، واستهل المقاومة، المزعومة بجز الرقاب، أملا بالردِّ الشيعي حتى تحقق المرام. وكنَّا، ونحن أبناء طائفته، أكثر استغراباً واحباطاً من غيرنا، فالظاهر في إطلاقه هذا أنه حوَّل حزب "البعث" إلى حزب سُنَّي، أي منحه الشرعية الوجودية بالعراق!
نقتبس من فقيه لا يُتهم بالطائفية لشراكته مع عين من أعيان الشيعة وهو السيد محمد مهدي الحكيم (أغتيل 1988)، بالموقف من "البعث"، ومثلما ترك الحكيم الشيعي العراق اضطراراً، تركه الشيخ طه جابر العلواني السُنَّي أيضاً. وكان الاثنان يسفهان الطائفيين عندما يتذاكران القول بالفارسية: "شيعي بغداد سُنَّي أست... سُنِّي بغداد كافر أست"(العراق الحديث بين الثوابت والمتغيرات). وأرى قولا مثل الذي بدأت به المقال، رغم أن الجلبي متنور وقد درس في أعرق الجامعات الأميركية، قولا متخلفاً عن الشيخ والسيد، وهما من حيث المنطق أحق بالطائفية منه.
قال الشيخ العلواني: «طائفية حزب البعث، بشقيه الشيعي والسُنَّي، طائفية سياسية نفعية انتهازية، لا علاقة لها بدين ولا مذهب، ولا يلتقيان في مقولة أو رأي. والباحث عن أي نسب لحزب البعث العربي الاشتراكي في أهل السُنَّة والجماعة أو الشيعة إنما هو باحث عن سراب... كما أن الباحث عن نسب للحزب الشيوعي مع الشيعة خاصَّة يستحيل أن يجد أي نسب أو صهر أو قرابة بينهما» (نفسه). هذه حقيقة، فلو أن قريةً سُنُّيةً حاول أهلها اغتيال صدام حسين لأزالها من الوجود، وأصابها ما أصاب الدُجَيل (1982). ولو يسأل الجلبي مَنْ أضطهد أهلنا بجنوب العراق؟ أليس البعثيون الشيعة! وإذا أراد الأسماء، من أجل "اجتثاثهم" فهناك ما يؤلف معاجمَ.
أما إذا كان مقصد الجلبي الدولة العراقية منذ تأسيسها (1921)، فخلال فترة عهد الملكي (1921 -1958) كان جدُّه وزيراً، لعدة وزارات، ووالده وزيراً ورئيساً لمجلس الأعيان، وأخوه الأكبر وزيراً، لعدة وزارات، حتى صبيحة 14 تموز 1958، وأملاك العائلة لا تعدُّ ولا تحصى!
هذا، وعلى ما يبدو، أن العائلة متحدرة من أصل سُنَّي، فحسب ما كتبه صديق العائلة الوجيه العراقي مير بصري (ت 2006): "ينتمي عبد الحسين الجلبي (جدُّ أحمد المباشر) إلى أسرة طائية، كانت تقيم في جزيرة عمر، شمال الموصل، ثم جاءت إلى بغداد مع السلطان العثماني سليمان، عند زحفه إليها فأقطعها بعض الأراضي، وكان محمد الجلبي أول مَنْ تلقب بهذا اللقب منحته إياه الحكومة العثمانية، وعينته حاكماً على الكاظمية" (أعلام السياسة في العراق الحديث).
كان السلطان المقصود هو سليمان القانوني(ت 1566)، خطف بغداد من يد الصفويين (1534). ولعل تداعيات الصراع الصفوي -العثماني آنذاك ما كانت تسمح بتعيين شرطي شيعي فكيف بحاكم! ولا أدري إذا ما قال الجلبي الجدُّ، وهو يدخل مع الفاتحين العثمانيين، ويُعين حاكماً على الكاظمية: "سقطت دولة الشيعة"!
لماذا ينسى أحمد الجلبي أنه ذلك الإنسان المتحضر الذي يهمه العراق بكل أعراقه ومذاهبه، حتى يسعى إلى تأسيس "البيت الشيعي"، وينصح السُنَّة بتأسيس "البيت السُنُّي"! ولما سمعناه متحدثاً عن الوطنية قلنا له: يا أبا هاشم، ألست الناصح والفاعل لتأسيس البيوت الطائفية؟! فقال: تلك كانت ضرورة! ونحن نعلم أنه يدرك فداحة خطئه، لكنه عند نفسه ليس من الخطائين!
عاد الجلبي يثني على وزارة الجعفري (2004-2005)، وكان نائبها، على أنها "وزارة متميزة"! وهي ليست كذلك، فلتلك الوزارة عيوبها القاتلة! كان الجلبي منافساً في الائتلاف للجعفري، على رئاسة الوزارة، وحقاً أنه الأصلح والأفضل، فهو صاحب الموهبة الهائلة لا يضاهيه فيها لا الجعفري ولا سواه. حينها، لم نأخذ ما نقلته الصحافة على محمل الجد، حتى الاستفسار منه شخصياً: هل كان لإيران دور في عدم تسلمك رئاسة الوزارة بدلا من الجعفري! قال: "كنت الأوفر حظاً، عبر التصويت داخل الائتلاف، لكن السفير الإيراني ببغداد أبلغني بأن حكومته لا تريد غير إسلامي"!
وعبر فضائية "بلادي"، العائدة للجعفري، أطل الجلبي في حديث طويل، كُرس لمدح تلك الوزارة مقابل ذم وزارتي إياد علاوي ونوري المالكي، مع أن الوزارتين أظهرتا همة لتجاوز المحاصصة الطائفية. فوزارة المالكي تقدمت كثيراً في تحسين الناحية الأمنية، بأداء وزير داخليتها ودفاعها، ونجحت في وضع بعض اللبنات لدولة القانون، بل إن شعار "دولة القانون" أيقظ في العراقيين روح الوطنية التي كادت تجف في العروق، وراء تلك الفتنة اللئيمة. بينما لم ينجح الجلبي ولا خطاب طامح آخر برئاسة الوزارة عندما أخذ يناشد أهل البصرة بشعار الدين: "يريدون منا ترك ديننا، يريدون منا ترك مرجعيتنا"! لكنهما فشلا، أما قائمة "دولة القانون"، ولولا وزراء المحاصصة، والإدارة الحزبية الضيقة، لتقدمت كثيراً.
يُتهم الجلبي بأنه من أقنع الأميركيين بـ "كذبة" أسلحة الدمار الشامل العراقية، وهذه لا تُعد كذبة بالنسبة لملايين العراقيين الضحايا، وربَّما يمتدح عليها الجلبي. فمَنْ ذاق جور "البعث" لا يرى بها سوى كذبة بيضاء، لكن الغرابة أن الجلبي، وهو في طريقه مع الجيوش الغازية، وحال تأكده من سقوط النظام، أخذ يشتم من كان يعدهم محررين قبل ساعات!
وحالياً أخذ الجلبي يسدي المديح لوزارة الجعفري، ويكيل الذم لوزارة المالكي، ويرفع شعار: "إعادة الأموال من الحكومة إلى الشعب"! وكأن الحكومات من غير الحكومة التي يريدها ناهبة لأموال الشعب! مع أن الجلبي استغل قوة حماياته واسترجع أراضي وممتلكات أهله من دون رفع قضية إلى العدالة، وهو يعلم أن ما أُمم أو أُخد بعد مغادرة أهله الوزراء، حال سقوط العهد الملكي(1958)، قد استعادوا الكثير منه عبر محامٍ مشهور، عندما كانوا يقيمون ببيروت! فكيف يصدق الشعب عودة الأموال إليه عبر شعار يرفعه الجلبي لا غيره!
أكتب ذلك من ألم على التفريط بطاقة علمية وإدارية تكاد تكون نادرة بعراق اليوم، فالجلبي من القلائل الذين ينطبق عليهم لقب العلماء الأذكياء، ويحمل من الشهادات الراقية، وله شبكة من الصلات التي ينتفع بها العراق، لكن للأسف سخر ذلك الذكاء وتلك الطاقة لهدف آخر، وكنَّا نظن أنها مجرد حيلة للخلاص من جبروت تلك السلطة، لكنه يفاجئنا يوماً بعد يوم بما يؤكد أنها سجية.