باكستان و إندونيسيا... مقارنة أميركية
لدى زيارتها لإندونيسيا في وقت مبكر من العام الحالي، قالت وزيرة الخارجية الأميركية: إن كنتم تريدون الإطلاع على الطريقة التي تتعايش بها الديمقراطية مع الإسلام والحداثة واحترام حقوق المرأة، فعليكم بالذهاب إلى إندونيسيا.
وحين زارت باكستان مؤخراً، جاء تعليقها على قدر من التهذيب إلا أن كلماتها لم تخل من الانتقادات وتوجيه الاتهام لبعض المسؤولين الحكوميين الباكستانيين بإيواء إرهابيي تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان".
وتجدر الإشارة إلى أن إندونيسيا وباكستان، تمثلان ربع مسلمي العالم البالغ تعدادهم 1.6 مليار نسمة. وفيما لو ازدهرت فيهما الديمقراطية، فإن من شأن ذلك أن يؤثر إيجاباً على بقية مسلمي العالم، لا سيما في المنطقة العربية. غير أن دبلوماسية واشنطن إزاء إندونيسيا تختلف كثيراً عن دبلوماسيتها إزاء باكستان.
ففي الحالة الإندونيسية كثيراً ما حددت السياسات من قبل إندونيسيا أكثر مما تفعل واشنطن. ففي خلال عهد الرئيس الأول المؤسس للدولة سوكارنو، الذي تولى رئاسة البلاد عقب استقلالها من الاستعمار الهولندي، كانت إندونيسيا قد اتجهت كثيراً نحو اليسار، وكانت أكثر قرباً من الصين الشيوعية. ثم خلفت محاولة انقلابية فاشلة وراءها من ضحايا حملة التطهير "اليساري" نحو 200 ألف قتيل على أقل تقدير، معظمهم من الشيوعيين الذين شل حزبهم، إلى جانب ذكريات مريرة لا تزال تأثيراتها باقية في نفوس الشعب الإندونيسي. ثم تراجعت إندونيسيا عن توجهها "اليساري" لتكون أكثر قرباً من الوسطية السياسية والتحالف مع الغرب، إلا أنها رفضت أن تكون مخلباً لأي من القوى العظمى بعد ذلك.
من جانبها لاقت واشنطن صعوبة في فهم هذا الموقف الإندونيسي، ما جعلها تحافظ دائماً على علاقات سارية مع مختلف الحكومات والأنظمة الوطنية هناك. ولكن نُكبت إندونيسيا في عام 2005 بكارثة التسونامي الآسيوي، ما دفع واشنطن إلى تقديم أكبر عون إنساني دولي لها. وقد شارك في تلك العملية حوالي 15 ألفاً من عمال الإغاثة الأميركيين، بينما استغلت حاملة الطائرات "إبراهام لنكولن" في دعم الطائرات العمودية، التي كانت تحمل الغذاء والماء وغيرهما من مواد الغوث الإنساني لمتضرري التسونامي.
وقد أعقب سوكارنو في الحكم، عهد الجنرال سوهارتو، الذي امتد لثلاثة عقود من الحكم الشمولي المظلم، الذي تمتع فيه الجيش بقبضة قوية على البلاد كلها. وخلال السنوات الأخيرة الماضية، ساهم إجراء الانتخابات النزيهة الحرة في ازدهار الحياة السياسية مجدداً في البلاد. وبالنتيجة أعيد انتخاب الرئيس سوسيلو بامبانج يودهيونو، الذي يتمتع بشعبية كبيرة وسط مواطنيه لولاية ثانية هذا العام.
يجدر بالذكر أن إندونيسيا حققت هذا التقدم السياسي بجهودها الخاصة، فضلاً عن ملاحقتها للإرهابيين المتطرفين الذين أزهقوا أرواح ما يزيد على 200 سائح أجنبي في تفجيرات جزيرة بالي التي وقعت في عام 2002، إضافة إلى تنفيذهم لهجمات إرهابية في العاصمة جاكرتا خلال العام الحالي. فعلى رغم هذه الأحداث الإرهابية الدموية، أثبتت إندونيسيا قدرتها على الالتزام بصورة أكثر اعتدالاً للإسلام.
وبالمقارنة، ظلت دبلوماسية واشنطن إزاء باكستان قوية وتدخلية دائماً. وحافظت مختلف الإدارات الأميركية على علاقات دبلوماسية سياسية مع سلسلة من القادة الباكستانيين الذين واصلت بلادهم تأرجحها وانزلاقاتها من حكم عسكري إلى آخر، فصلت بينها فترات ديمقراطية قصيرة غير مستقرة.
هذا ويتوقع للولايات المتحدة الأميركية أن تجسد قوة علاقاتها مع إسلام آباد بإقامة صرحها الدبلوماسي الجديد -مبنى السفارة الأميركية الجديد- وهو عبارة عن قلعة حصينة يقدر لها إيواء ما يزيد على 1500 من الموظفين في مساحة قدرها 18 فداناً.
ويبقى مفهوماً أن للولايات المتحدة مصالح قومية أكبر وعلاقات أكثر تعقيداً مع إسلام أباد وتهديدات أكثر خطورة لأمنها القومي، مقارنة بما لها من المصالح وعلاقات وتهديدات في إندونيسيا. فمن أهم الفوارق بين الدولتين، أن باكستان دولة مسلحة نووياً، وتوجد بها ملاذات آمنة للإرهاب والإرهابيين، بينما تثور فيها النزاعات الحدودية مع جارتها الهند، إضافة إلى قوة شكيمة القبائل المتناحرة مع بعضها بعضا في خطها الحدودي، بينما تشكل تحدياً قوياً للحكومة المركزية في إسلام أباد. وتبدي هذه الأخيرة اعتراضاً على عمليات القصف الجوي التي تنفذها المقاتلات الأميركية ضد عناصر تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" في المناطق القبلية الحدودية. وتتعين على إسلام أباد السيطرة على أجهزة مخابراتها الخاصة التي كثيراً ما تبرم الصفقات مع جماعات متطرفة مشتبه بها.
وبينما تطالب إسلام أباد واشنطن بتوفير مليارات الدولارات التي تقدم لها في شكل مساعدات أمنية دفاعية، فإنها تستشعر شيئاً من الإهانة لكرامتها الوطنية بسبب اشتراط واشنطن فرض رقابتها على البرامج التي تنفق عليها أموال المساعدات هذه.
وعلى رغم إصرار وزيرة الخارجية الأميركية على أن تكون عملية بناء الثقة بين واشنطن وإسلام أباد ثنائية الاتجاه، فإن العلاقات الدبلوماسية بينهما ظلت بين دفء وفتور، وشد وجذب خلال السنوات الأخيرة الماضية. وربما تشكل كل هذه المعطيات تحديات كبيرة أمام الباكستانيين الذين ينخرطون الآن في مواجهة جماعتهم المتطرفة. غير أن الكشف مؤخراً عن جماعات إرهابية تخطط لتنفيذ هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة الأميركية، إثر تلقيها تدريباً على تنفيذ مثل هذه العمليات في باكستان، يستدعي من واشنطن تشديد ضغوطها الدبلوماسية على إسلام أباد.
ومن الضروري بالطبع أن تتجه حملة الضغوط هذه لرؤية إحراز باكستان تقدماً واضحاً في حربها على إرهابها الداخلي. كما ينبغي على واشنطن المساعدة على تعزيز الهياكل والمؤسسات الديمقراطية الباكستانية، كي تكون إسلام أباد قدوة لبقية دول العالم الإسلامي.
جون هيوز
مساعد وزير الخارجية في إدارة ريجان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"