تشهد سوق مواد البناء في الإمارات اليوم طفرةً كبيرةً مصحوبة بارتفاع غير مسبوق في أسعارها، حيث قفزت أسعار بعض مواد البناء، مثل الإسمنت، منذ بداية إبريل حتى اليوم (أي خلال شهرين فقط) بنسبة تفوق 100%، وبالطبع فإن أسعار الإسمنت تجر وراءها أسعار مواد البناء المشتقة منها مثل الطابوق الإسمنتي بكافة أنواعه والخرسانة المسلحة وبنفس النسبة إن لم تفقها، وارتفعت كذلك أسعار الحديد بنسبة 60%، وأسعار الأخشاب بنسبة 14%. وبالطبع شمل الارتفاع في الأسعار كافة مواد البناء تباعاً، وذلك لأنها داخلة في السوق نفسه (أي سوق مواد البناء)، سواءً وجدت الأسباب والمبررات أو لم توجد. ولا شك أن حدوث مثل هذه الطفرات المفاجئة وغير المتوقعة يؤدي إلى خسائر كبيرة جداً يتكبدها بعض التجار والمقاولين الملتزمين بعقود تسبق فترة ارتفاع الأسعار وقد تؤدي إلى إفلاس بعض شركات المقاولات. وتنسحب تلك التكاليف الباهظة أيضاً على المستهلكين بكافة فئاتهم، وفي الوقت ذاته يحقق التجار المستوردون والمنتجون لمواد البناء أرباحاً طائلة. ولا شك أن لمثل هذه الطفرات آثاراً سلبيةً كبيرةً جداً على كافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية وذلك نظراً لأهمية قطاع البناء والتشييد الحيوية في الاقتصاد. فما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الارتفاع في أسعار مواد البناء؟ وما هي الآثار المترتبة عليه؟ وكيف يمكن معالجته في الأمدين القصير والطويل؟ ولنبدأ أولاً بالأسباب التي تقف وراء الارتفاع المفاجئ للأسعار، مع ذكر طرق العلاج لكل سبب:
1- إن أهم سبب يقف وراء الارتفاع المفاجئ لأسعار مواد البناء هو المضاربة والاحتكار وجشع التجار المستوردين لمواد البناء والمنتجين لها محلياً. فالمنطق الاقتصادي يقول إن أية زيادة مفاجئة في أسعار مواد البناء أو أسعار مدخلات إنتاجها أو تكاليف الطاقة المستخدمة في إنتاجها وكذلك أسعار البناء والتشييد يفوق معدلها 10% تكون وراءها أسباب مفاجئة غير طبيعية، مثل الحروب والاضطرابات والقلاقل الأمنية والسياسية والكوارث الطبيعية والأحداث العارضة قضاءً وقدراً، فإذا لم تقم مثل هذه الأسباب فإن منطق المضاربة المقترنة باحتكار السوق من قبل كبار التجار والمنتجين يكون هو المبرر المسيطر في تفسير ارتفاع الأسعار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن دولة الإمارات، ورغم أنها تنهج منهج السوق الحرة والمنافسة قبل دخولها كعضو في منظمة التجارة العالمية، إلا أن قانون الوكالات التجارية، الذي ينص على ضرورة وجود الوكيل الحصري المعتمد للكثير من السلع، ما زال مطبقاً في الدولة في كافة الأسواق بما في ذلك أسواق مواد البناء بكل سلعها ومنتجاتها. والحقيقة أن تطبيق قانون الوكالات التجارية بهذه الصورة في عصر العولمة والتحرير الاقتصادي لا يتناسب مع هذه المتغيرات الاقتصادية إطلاقاً، وذلك لأنه يعبر عن صورة واضحةٍ من صور الاحتكار. وبالتالي فإن أول خطوة يجب اتخاذها لكسر الاحتكار في الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير والقضاء على المضاربات التي تضر بالاقتصاد هو إلغاء قانون الوكالات التجارية، أو تغييره، إذا كان لابد منه، بما يتناسب وروح العصر. وأعتقد أن إلغاء نظام الوكالات التجارية الحصرية لن تكون له أية آثار سلبية على الاقتصاد. وأن الوكلاء الحاليين يستطيعون التنسيق مع الشركات الحاصلين على توكيلاتها (الأجنبية والمحلية معاً) والارتباط معها بعقود حسبما تقتضيه مصالحهم دون أن يلحقهم أي ضرر مباشر من جراء إلغاء قانون الوكالات التجارية الحصرية. وبالتالي فإن إلغاء القانون سوف يؤدي إلى استئصال الاحتكار الذي يتذرع بحماية القانون له وخلق جو المنافسة التي تؤدي إلى خلق إيجابيات لا حصر لها في كافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية بما في ذلك مواد البناء والتشييد.
2- ازدياد الطلب العالمي والطلب المحلي أيضاً على مواد البناء، وذلك بسبب ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في كافة أنحاء العالم، وبسبب انفتاح الصين ودخولها منظمة التجارة العالمية. وقد يكون ذلك مبرراً اقتصادياً مقبولاً لزيادة الأسعار إذا ما كان الإنتاج ومن ثم العرض العالمي لمواد البناء عاجزاً عن تغطية حجم ذلك الطلب العالمي المتنامي لهذه السلع، أو إذا كان سوق الدولة مغلقاً أمام بعض الواردات من مواد البناء المطابقة للمواصفات القياسية. فإذا كانت دبي وإلى فترة قريبة تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حتى يفسح لها المجال لتسويق منتجاتها من الألمنيوم في أوروبا، وكذلك حال مواد البناء الأخرى كالإسمنت الذي أصبح يصنع في كافة دول الخليج العربية والحديد الذي يصنع في بعض الدول الخليجية، والأخشاب، والسيراميك ومشتقاته، والأبواب والشبابيك، والأصباغ وغيرها. حيث إن هذه الدول ما زالت وحتى عهد قريب تصارع من أجل فتح أسواق خارجية لمنتجاتها من مواد البناء. وأن ذلك بالطبع يعني أن هناك فائضاً في الإنتاج وفائضاً في العرض وهناك فائض في الطاقات التصميمية لإنتاج مواد البناء، وبالتالي فإن ذلك يشير إلى وجود معدل مرونة جيدة في عرض مواد البناء. وبناء