تشكل انتخابات البرلمان الأوروبي- التي جرت على مدى الأيام الأربعة الماضية ما بين 10 و13 من يونيو الجاري- حدثاً استثنائياً لا مثيل له بين أحداث التاريخ الأوروبي.
فللمرة الأولى يُدعى 350 مليون أوروبي في 25 بلداً إلى الإدلاء بأصواتهم وانتخاب 732 عضواً في البرلمان الأوروبي، وهو جمعية تشريعية تحت تصرفها ميزانية سنوية قدرها 100 مليار يورو. ويشكل البرلمان الأوروبي نفسه- الذي يتم انتخاب أعضائه بموجب الاقتراع الشامل- وجوداً استثنائياً بحد ذاته. ذلك لأن هذا البرلمان هو الجمعية التشريعية الوحيدة في العالم التي تتخطى حدود القوميات. لكن ذلك ليس الجانب الوحيد المثير للاهتمام حول البرلمان الأوروبي. فعندما يكون البرلمان الأوروبي في حالة انعقاد، فإنه يتنقل كل شهر ما بين مدينة ستراسبورغ في شرق فرنسا ومدينة بروكسل البلجيكية، وهي مقر المفوضية الأوروبية وموطن 40 ألفاً من أعضاء البيروقراطية الأوروبية الأقوياء.
ومن أوجه تميز البرلمان الأوروبي أنه، خلافاً للبرلمانات القومية في الدول الأعضاء، لا يتم فيه اختيار الحكومة من خلال تصويت أغلبية أعضائه- وذلك لسبب بسيط وهو أن "حكومة أوروبا" المنتخبة ليست موجودة حتى الآن. أمّا المفوضية الأوروبية التي تمارس عملها كنوع من السلطة التنفيذية الأوروبية، فإنها هي نفسها هيئة غير منتخبة.
ومن الضروري أن تعير بقية بلدان العالم اهتمامها لما يحدث في أوروبا. والعرب على وجه الخصوص عليهم أن يعيروا الأمر اهتمامهم لأن أوروبا واقعة على حدودهم ولأن لها تأثيراً كبيراً فيهم.
والعبرة من الانتخابات الأوروبية هي أن البلدان الأوروبية تتحرك بثبات على مسار المزيد من التقارب بينها. فهذه البلدان تقوم بتطوير مؤسسات مشتركة، وتحل المشكلات المشتركة، وهي أيضاً تشكل كتلة واحدة. وليس هناك أحد واثق كل الثقة حيال توقع الشكل الذي ستتخذه تلك الكتلة: فهل ستنمو هذه الكتلة لتتحول إلى اتحاد فيدرالي؟ أم أنّها ستبقى مجرد تجمع يضم البلدان التي تتمتع بالازدهار، والتي تمارس التبادلات التجارية الحرة فيما بينها وتتقاسم قيماً مشتركة معينة بخصوص الديمقراطية وحقوق الإنسان؟.
وبكلمات أخرى، ليس هناك حتى الآن أحدٌ يعلم ما إذا كانت أوروبا ستتحول إلى قوة عالمية أو إلى مجرد قوة في العالم.
إن معظم أعضاء البرلمان الأوروبي هم من أصحاب نهج "الفيدرالية"، أي أنهم يرغبون في تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى قوة عظمى قادرة على القيام بدور الثقل المعادل لثقل كل من الولايات المتحدة والصين. غير أن أي طموح من هذا النوع سيكون مرغماً على الانتظار لعقد آخر أو عقدين، هذا إذا تحقق الطموح ذات يوم.
وفي هذه الأثناء، بات البرلمان الأوروبي هيئة قوية، وهو سيكتسب المزيد من القوة فور مصادقة الدول الأعضاء على الدستور الأوروبي المقترح. ويتمتع البرلمان الأوروبي بصلاحيات الموافقة على أو رفض رئيس المفوضية الأوروبية، كما أن من الممكن له أيضاً- مثلما فعل في الماضي- أن يرفض المفوضية الأوروبية كلها إذا اشتبه في ارتكابها التقصير أو سوء التصرف.
على أن الأهمية الحقيقية للبرلمان الأوروبي كامنة في الحقيقة التي مفادها أنه ينتج هيئة معنية بالقانون الأوروبي الذي يحكم الكثير من تفاصيل حياة المواطنين الأوروبيين. وقد قام البرلمان الأوروبي قبل الآن بتقرير نحو 60% من التشريعات القومية في الدول الأعضاء. فالبرلمان الأوروبي يتولى إصدار تشريعات وقوانين معنية بموضوعات مختلفة ومتنوعة كالأمن والصحة والدفاع والشؤون الخارجية والعدالة، وهي الموضوعات التي ما زالت حكراً على البرلمانات القومية في الدول الأعضاء.
ولا يجلس أعضاء البرلمان الأوروبي في مجموعات قومية منفصلة- أي أن الأعضاء الفرنسيين لا يجلسون معاً في مجموعة مستقلة، ولا الأعضاء الألمان كذلك ولا الإيطاليون ولا البولنديون. لا يحدث شيء من هذا القبيل في البرلمان الأوروبي؛ لا بل ينضم الأعضاء إلى أي حزب من أحزاب البرلمان السياسية ومن أهمها على الإطلاق حزب الشعب الأوروبي وهو من تيار يمين الوسط، والاشتراكيون، والليبراليون، وحزب الخضر، هذا إضافةً إلى التحالف اليميني الناشئ – وفي هذا تطوّر جديد ومهم- والذي من المرجح أن يضم كلاً من الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب الاستقلال في بريطانيا وحزب ساموبرونا البولندي (حزب الدفاع الذاتي). وما يميز هذه الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة هو رغبتها في تدمير الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل تأمين انسحاب بلدانها من الاتحاد.
وفي العالم اليوم قلة فقط تعرف البرلمان الأوروبي، وهذا يشمل الأوروبيين أنفسهم. ذلك أن هناك القليل فقط من التغطية الإعلامية لنشاطات هذا البرلمان. ويضاف إلى ذلك أن المسائل التي تجري مناقشتها في لجان البرلمان الكثيرة هي مسائل ذات طبيعة متخصصة، ولذلك لا تستقطب إلا قدراً ضئيلاً من اهتمام الجمهور الأوسع. وعلى رغم ذلك، يراقب القادة السياسيون نتائج الانتخابات عن كثب، إذ أنها ستوفر دليلاً إلى تحقيق شعبية الحكومات التي