"الغلو" سلوك... وليس مفهوماً
مبدأ الغلو مرفوض في المجتمعات وهو سلوك منتقد، وخاصة فيما يخص الدين في التطرف أو التزمت أو التشدد والشطط في التزام مبادئه السامية إذا ما مضت في طريق الوسطية والاعتدال العام، وإذا ما بعدت عن الجادة صار سلوكاً وتصرفاً ضد مبادئ الدين ذاته.
ومن هذا المنطلق، فالغلو هنا ليس مصطلحاً أو مفهوماً خلافيّاً ولا نظرية علمية يدور حولها الجدل في صحته أو عدمه، حتى لو تم الاستغناء عنه فلا ضير. ولذا فإننا لا نناقش هنا مصطلحاً علميّاً أو مفهوماً نظريّاً، بل حالة سلوكية تنسب صاحبها إلى الدين، بدل أن ينسب إلى تصرفات الفرد الشخصية.
فالدين وخاصة الإسلام، نهى بشدة عن "الغلو" في التدين لأنه لا يتناسب مع متطلبات الحياة العادية للفرد وحتى وإن كان خياراً شخصيّاً محضاً، إلا أنه لا يبقى كذلك إذا ما تحول سلوك الفرد إلى منهج عملي يتكون حوله الأتباع والأنصار ليشكل منظومة قيم تفرض عنوة باسم الدين على أفراد تتجمع في تنظيم سري أو علني، فالعبرة في النتائج التي لا تختلف من حيث الأثر السلبي على السلوك العام للمجتمعات البشرية.
فكل مبادئ الدين الإسلامي تحث على التيسير، ولو احتار الفرد في خياراته فهو ملزم بالأيسر وليس الأشد، لأن ذلك مناط الاقتداء والتأثير العام، حتى لو قيل عنه بأنه متسيب أو متهاون، لأنه أهون من أن ينتقل إلى الضفة غير المحمودة باسم التدين والالتزام. والأصل في أي دين السماحة مع غير معتنقيه قبل أتباعه لأنه يفرض أن هذا النهج لا خلاف عليه بين معتنقي أي دين.
وهذا بُعد مهم لعدم مسايرة البعض في إغراقه بالغلو في سلوكياته الدينية سواء كانت عبادة أو معاملة، فالأمر سيان.
فالتدين السليم هو الذي يرقى بالمجتمعات، والعكس يعيد كل المشاريع التنموية إلى خانة التخلف والمعادلة الصفرية التي أمرنا أصلاً دينيّاً بهزيمتها وتجاوزها من أجل غد أفضل.
فالغلو في أي أمر، هو ثقل إضافي يضع على كاهل المجتمع أعباء تعبوية وتوعوية لعلاج سلوك معوج يأخذ من وقت المؤسسات المعنية الكثير لإصلاحه، أو حتى ترميمه والتخلص من نتوءاته الضارة بالسير العام للمجتمع.
فالبحث عن مسارب ضيقة لدى البعض من أجل الظهور بثوب آخر للدين دأب من لا يملك مشروعاً أو فكرة تشغل المجتمعات عن بعض مشكلاتها الآنية، والدخول بها إلى أنفاق مظلمة لا تنفع فيها الإثارة والأضواء المؤقتة التي تنصب على جيناتها لأن هذه الفئة المغالية تبذل جهوداً مضنية من أجل إطفاء نور "الدين" على حساب قناعات فردية حدّية لا تؤمن إلا باللون الواحد للدين.
وأفضل أسلوب لتفادي شطحات سلوك أهل الغلو في تحركاتهم هو بناء منظومة من القيم المؤسسية في كافة مناحي المجتمع تعتمد على روح الدين وليس مظهره وإن كان براقاً في البداية، فإنه سرعان ما يتحول هذا البريق الذي لن يستمر طويلاً إلى سلسلة من المشكلات التي قد تعجز المؤسسات الدينية ذاتها عن معالجتها بسهولة ويسر. وهذا المشروع بحاجة إلى دعم لوجستي من كل المتضررين ممن اتخذ من الغلو منهجاً لحياته دون أدنى اعتبار لأي قيمة حضارية مضافة لترسيخ دعائم السلم الاجتماعي لدى كافة شرائح المجتمع الإنساني وليس المسلم فحسب.