التغيير العقلاني
محمد بو عزيزي شاب تونسي تخرج من الجامعة وهو يحلم بوظيفة تحقق له أحلامه وتخفف عن أسرته معاناة الفقر والعوز، وظل لسنوات طويلة يبحث عنها في كل المؤسسات، الرسمية والخاصة، ولم يترك باباً إلا وطرقه، وعندما وجد كل الأبواب أمامه مغلقة، ويئس من الحصول على وظيفة، ووجد نفسه عاطلاً عن العمل... اتجه إلى السوق ليعمل بائع خضار متجولاً بحثاً عما يحفظ له كرامته.
وفي يوم 17 ديسمبر صادرت شرطة البلدية عربته، وصفعته إحدى الشرطيات، فذهب إلى دار البلدية ليشتكي ما حلّ به، لكنها بدل أن تحل المشكلة وترد إليه عربته التي تمثل كل رأس ماله، ومن ثم يعود إلى عمله في السوق، وجه له مسؤولها إهانة لفظية، فخرج من مبنى البلدية ليشعل النار في نفسه ويشعل معه الثورة التونسية. وكانت تلك هي الشرارة ونقطة التحول في حياة الشعب التونسي الذي عانى من جور الديكتاتورية وظلم الحزب الواحد... فنال مع البوعزيزي حريته لينطلق نحو التغيير والإصلاح الشامل سبيلاً إلى النهوض والتقدم.
ولعل أهم ما يلفت النظر في "ثورة الياسمين" التونسية أنها ثورة محلية وطنية سلمية استمدت شرعيتها من الداخل، من الشعب نفسه، وأنها ذات نواة صلبة، وتمتلك الكثير من مقومات القوة، خاصة أنها تأتي بعد أن فشلت كل الطرق الأخرى في علاج الاختناقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي عاناها الشعب التونسي نتيجة القهر والقمع والفقر والبطالة والغلاء وظلم السلطة المستبدة.
والأمر الآخر هو أن هذه الثورة لم تحمل في داخلها روح الانقلابات العسكرية أو الثورات الدموية، بل روحاً مدنية سلمية متحضرة، فهي ثورة العقول كما يتضح من الشعار الذي رفعه الشبان التونسيون في مواجهة الفقر والبطالة، شعار التغيير السلمي المنضبط... لذلك لم تنفع معهم توسلات بن علي وتعهداته الأخيرة بالإصغاء إليهم، لأنهم جرَّبوا وعوده وممارساته خلال الثلاثة والعشرين عاماً الماضية.
إنها أول حالة سياسية هزت تونس والعالم العربي، خاصة وأن الظروف االتونسية الحالية تتشابه مع ظروف كثير من الدول العربية، لاسيما لجهة انتشار الفقر والبطالة والتدهور الاقتصادي... وهذا تحديداً ما حذرت منه القمة العربية المنعقدة في الرياض عام 2007 في مذكرتها التفسيرية، والتي جاء فيها إن العالم العربي "يمر بمراحل حرجة وتحديات خطيرة لم تعد تقتصر تهديداتها على أمن وسلامة واستقرار الدول العربية ووحدة التراب العربي، بل تجاوزتها لتمس الأوضاع والأحوال الاقتصادية والتنموية التي تحيط بكرامة المواطن العربي وحقه في العيش الآمن واللائق". وأشارت المذكرة إلى أن أهم التهديدات التي تواجه العالم تكمن في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطن العربي، وهجرة رؤوس الأموال والعقول والكفاءات العربية إلى الخارج، وعدم مواكبة مخرجات العملية التعليمية لاحتياجات التنمية ومتطلبات المنافسة العالمية.
وهناك تراكمات لمشاكل وتحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية لم تتعامل معها معظم الدول العربية بصورة عقلانية، لاسيما قضية الفقر التي لم تظهر في القاموس الحكومي العربي إلا خلال العقود الأخيرة فقط. وإن كانت المشكلة الأكبر تتركز في مسألة البطالة التي تزيد سنوياً، حسب الإحصاءات الدولية، بنسبة 3 في المئة، حيث يتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي في عام 2020 إلى نحو 100 مليون عاطل.
على الدول العربية إذن الاعتبار مما حدث في تونس، وألا تتجاهل ذلك مكتفية ببعض المسكّنات والشعارات الخطابية والدعاية الإعلامية.