النقد سمة حضارية وجانب من حرية الإنسان في ممارسة الفعل البناء، والإشكال الذي يقع عندما يخلط الناقد بين نقده للفكر المطروح وشخصنة فكره، وبين هذا وذاك عند الممارسة شعرة قبل أن يدرك الفصل بين فكر المنتقد وذاته. والخطورة في عدم التفرقة بين الأمرين عندما يحدث خلاف في الرأي بين مفكرين أو باحثين أو كاتب رأي وآخر في إطار المساحة التي يمكن تداول فكر أي إنسان فيها والتعرض له بالنقد البناء وليس للهدم. فلا ينبغي هنا اتهام الإنسان من خلال تبنيه لفكرة ما دام الموضوع قابلاً للأخذ والرد، حتى لا تتحول المعارك الفكرية إلى حسابات شخصية يدافع فيها الإنسان عن ذاته التي تعرضت للنقد الهدام بدل الدفاع عن الفكر الذي يحمله. فما يحدث اليوم على الساحة الثقافية في العالم العربي وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تتقيد بأي بروتوكول أخلاقي، حيث يتم خلط الحابل بالنابل، وتجري مياه اللغط، حتى تصل إلى الطعن في ثوابت الإنسان العادي فضلاً عن صاحب الرأي مقابل الرأي المخالف. فينقل الحال من الاختلاف في الرأي إلى الخلاف حول الشخص وترك وصمات اجتماعية سلبية حول ما تفوه به من آراء قد لا تعجب البعض ولكن في النهاية يبقى رأياً وليس حكماً على قائله. فالبعض منهم يقوم بدور الخصم والحكم في آن، فلا يترك مجالاً أو مساحة للرد العلمي أو الموضوعي، خاصة إذا تعرض شخصه لسهام الجرح بلا تعديل. فالحالة الثقافية والفكرية في العالم العربي بعد وقوع ما سمي بـ«الربيع العربي» في بعض البلدان أخرجت مكنونات غير طبيعية مطوقة بأطنان من الإدانات والاتهامات المتبادلة في قضايا الرأي العام، الذي يحتمل الأخذ والرد على مدار الزمن، لأن القطع فيها غير وارد والنسبية في الطرح هي الحكم، دون تحويل كل ذلك إلى خصومات فكرية تهز ثوابت الأمة العربية لا يجب أن يتم تداولها بدون إسفاف ولا استخفاف، بل الأصل أن يتم التأكيد عليها بمزيد من الحقائق والبراهين الساطعة. إن إفرازات «الربيع العربي» الفكرية لم تعد تعير اهتماماً ولا قبولاً للرأي الآخر، وهو ما يعيد عقارب الساعة العربية إلى الوراء، في زمن الفضاءات المفتوحة، والإعلام الرقمي الذي ينقل نَفَس الإنسان قبل حرفه إلى العالم بلا قيد أو شرط. والمتتبع لهذه الحالة الاستثنائية يلحظ الكم الهائل من المصطلحات التي تستخدم في النقد المفتوح في وسائل الاتصال الجماهيري غير المنضبطة، حيث الترويج لا يضيف شيئاً إيجابياً إلى المسار الفكري للمتحاورين أو المنتقدين من الجانبين. فحجم الشخصنة فيه تضخيم بصورة مبالغ فيها، حيث مساحة نقد الرأي فقط لا غير أصبحت أضيق من اللازم، بل تكاد تختفي في بعض المواضيع. يفترض أن تكون الذات الإنسانية محترمة مهما كان حجم الاختلاف الفكري بين أطراف القضية الواحدة، وذلك لضمان عدم تحويل الاختلاف إلى خلاف شخصي بين صاحب الرأي الأول والثاني أو الثالث. إذا كان البعض يبحث في القشة عن إبرة الديمقراطية السياسية وسط الأحداث المتلاحقة في بعض أجزاء من العالم العربي، فإن من يضبط ذلك بديمقراطية الرأي الذي يراد أن يبنى عليه مشروع الديمقراطية في عالم عربي لا يزال يبحث عن الأرضية المناسبة التي لم تصنع لذلك حتى الآن، فمتى ما تقبلنا جميعاً ديمقراطية الفكر والثقافة وحق الاختلاف الموضوعي وابتعدنا عن نقد الذات، كان للفكر المجرد عن الشخصنة ألق ونماء.