حين تكون فيروز بيننا، حق علينا أن نذهب بفرحنا مداه، وحين تكون بعيدة عنا، حق علينا أن يذهب فرحنا إليها، هي عطر البقية من عشقنا القديم، هي الساجية في أحلامنا التي أغتيلت هكذا فجأة، بقية مطرنا الحلو الذي نتظر أن يلوّن الصباحات البكر، ويطّرز المشاوير بألوانه الخضر، فيروز في البال، وهي اليوم عندنا، آتية بالبشر، وبالبكاء المر، توقظ طفولتنا بحكاية أم سليمان، وما علق بالجسد من هزائم وخسارات العمر، تذكّرنا بالطائرة الورقية، والمنديل المنسي في دفة الكتاب، ووردة المزهرية، القرميد الأحمر ومطر أيلول، ضحكات الجارة على سطح الجيران، فيروز هنا، في الليل المزدهي، والبحر النشوان، هي حدنا، ممسكة بخيوط الذاكرة البعيدة، وبموج الشط المسافر، هي والقمر جيران، كصورة وظل يتسابقان، هي تفتح نوافذ العمر، والقمر سهران· أي ريح شمالية ساقت كل هذه السفن، أي غيمة مثقلة ساقت كل هذا الشجن، سفن غادرتنا في محطات الزمن، تاركة عبرة خجلى في طرف العين، وبقية نشيد، حملت أول الحلم، وآخر هدايا العيد، لم تعد المراكب الغادية بالسفر البعيد، إلا حين حضرت سيدة الوعد، ومليكة المواعيد، ناثرة ورد صوتها على كل الجروح، علنا نبرأ، أو لعلنا نشقى من جديد، حالفة على القلب أن لا يتعب قلبه، وعلى حنّا السكران أن لا يتعب حبه، وعلى شادي الصغير، الضائع في الثلج، وفي وجع المأساة، أن لا يكبر، أو ينسى عمره· فيروز في مسائها المعطر كسجادة صلاة، وفي ليلها الذي لا يشبه لون عنترة بن شداد، كانت فرحة مُهداة، زفت للقلب المترع بضجيج السنين، وبانكسارات المحن، بشارة النهوض من رماد الوقت، ومن غبش المحزنات، ذكرتنا أن هناك سيفاً عربياً لم يغب، وأن مكة شافعة، وأهلها الصيدا، والقدس حاضرة، بكل تجليات الرحمن، وهي زهرة المدائن، غضبها آت، آت، بحزن كنائسها القديمة، ودمع مآذنها العتيقة، وأن من تشردوا، عائدون، راجعون هم، أطفالاً وأحجاراً يولدون، مثل نوّارات الوطن يشرقون، كما العز، حين يكون العز، أوله دمشقُ· فيروز صنو تلك المدن الخالدات، مدت لهن رداءً من عشق وجوى، كانت لهن وتراً، وكنّ هن الغوى، من شط إسكندرية إلى بحر الهوى، سكن الليل، وَشَرق الناي بدمعه وحزنه، والندى لف المدى، والطائر المسكون بالوجد والغناء، فرد جناحين من بيروت، إلى هنا، أسكر ليلنا الصوفي، وحلّق بالعارفين نحو سموات بيضاء، وقبب الصالحين، كيف تخاطرت المسافات، وكانت قاب قوسين أو أدنى، كيف صهلت بالأمس نائحات الصدر، تستدعي طيورها من جهات القلب، لكن المساء، ظل مساءً مزهراً بفيروز، ومعطراً بفيروز، وحدها عصفورة الوادي، بالأمس كانت تهادي، وكان المساء لها، وكانت السماء أذناً وغناء· لكنها خرجت من الرحابة، والسماحة التي تغني لها إلى ضيق الأفق في بيروت، المطار المغلق في وجهها، الانتظار الموحي بتطاير الشظايا، السياسيون المحتقنون على المحاصصة والمخاصصة، الخراب القادم والمستقدم من كل مكان، الأغاني المشنوقة في حناجر عشاق الحياة، البحر والجبل والنهر، المرأة، والحب، تلاقي مياه الوادي بالنهر والشجر، التربص باغتيال جذوع الأرز الأخضر· فيروز لا يصح اللوم على من يحب النوم، فالنوم سلطان، والنوم عبادة للظالم ومن يحب الشرور والأذى، وشعبك بعدما غنى معك للوطن ''راجع ··راجع يتعمر'' هاهم يستدعون الحريق والخراب والدخان، والتخوين من الجهات الأربع، ولو غنيت في مالطا، لكان شعار ''صح النوم'' موقظاً على الفلاح والصلاح، والعمل وحب الوطن!