ربما من سوء حظ كثير من المعروفين بالصعاليك في الماضي أنهم لم تتح لهم الفرص لإبراز مواهبهم الحقيقية وتوظيفها في الخير ليكونوا أبطالاً، ويتحمل المجتمع مسؤولية جنوحهم - إن صحت الروايات - لأن بعض الروايات تشير إلى أن هؤلاء الصعاليك كانوا يتعرضون للقوافل التجارية ويسرقون ليطعموا الجياع! عرف تأبط شراً بالصعلكة، ولكن اللافت فيه هو أنه كان عداءً رياضياً، ولو عاش في زماننا لتربع على عرش بطل العالم للعدو في كل المسافات، كيف لا وقد كان يلاحق الظباء وهي المعروفة بسرعتها! فلو كان تأبّط شراً في زماننا لتنحى الجامايكيون ستيف مولينجز ومايكل فرازر وبولت وأسافا أبطال العالم في العدو عن البطولة! تأبط شراً هو ثابت بن جابر الفهمي «توفي نحو 530م»، أحد شعراء الجاهلية الصعاليك الذين عاشوا في بادية الحجاز بديار قبيلة (بني فَهْم) مع الشنفرى والسليك بن السلكة وعروة ابن الورد العبسي. اختلفت الروايات في سبب تلقيبه بتأبط شراً، وقيل لأنه كان كلما خرج للغزو وضع سيفه تحت إبطه فقالت أمه مرة: تأبط شراً وخرج، فلقب بهذا اللقب. وفي رواية أخرى أنه أتى لأمه بجراب مملوء بالأفاعي بعد أن لامته أنه لا يأتيها بشيء مثلما تأتي به فتية الحي أمهاتهم، ثم ألقى الأفاعي أمامها وهي تسعى. فلما روت تلك الواقعة لنساء الحي سألنها: كيف حملها - أي الأفاعي في الجراب - قالت: تأبطها، فقلن: لقد تأبط شراً، فصار يدعى بذلك. وقال عمر بن أبي عمر الشيباني: نزلت على حي من فهم، فسألتهم عن خبر تأبط شراً، فقال لي بعضهم: وما سؤالك عنه؟ أتريد أن تكون لصاً! قلت لا، ولكن أريد أن أعرف أخبار هؤلاء العدائين فأتحدث بها. فقالوا: نحدثك بخبره: إن تأبط شراً كان أعدى ذي رجلين وساقين وذي عينين، وكان إذا جاع، لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفها فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله. وإنما سمي تأبط شراً؛ لأنه في ما حكي لنا: لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بِطَان، في بلاد هذيل، فأخذتْ عليه الطريق، فلم يزل بها حتى قلتها، وبات عليها، فما أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه، فقال له لقد تأبط شراً، وقال في هذا: ألا مَنْ مُبلــــــغٌ فتيـــــانَ فهـــمٍ بِمَا لاَقَيْـــتُ عِنْـدَ رَحَى بِطَــانِ بأني قــد لقيـتُ الغــولَ تهـــوي بِشُهْـبٍ كَالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانِ فقلــــتُ لهـــا: كلانا نضــوُ أيـنٍ أَخُـــــو سَــفَرٍ فَخــَلِّي لِي مَكَانِي فَشَـــدَّتْ شَــدَّةٍ نَحْــوِي فَأَهـْوَى لهــــا كفِّي بمصقـــولٍ يمــاني فأضرِبهــــا بلا دهــشٍ فخــــرَّت صَرِيعـــــــاً لِلْيَدَيْــن وَلِلْجــِرَانِ فقالت عد فقلـــتُ لهـــا رويــداً مكانــــك إنّـني ثبـتُ الجنــانِ ومن أفضل قصائده، تلك التي أوردها طه حسين ضمن أفضل مئة قصيدة في الشعر العربي، والتي مطلعها: يَا عِيدُ يَالَكَ مٍـــنْ هَــمٍّ وَإِيــــرَاقِ وَمَرّ طَيْفٌ علـَى الأَهْوَالُ طَــراقِ يَـمْشِي عَلَى الأَيْنَ وَالَحيَّاتِ مُحْتَفِياً نَفْسِي فِدَاؤُكَ مَنْ سَارَ عَلى سَاقِ وَلا أَقُـــولُ إِذَا مَا خِلـَّةٌ صَرَمَـــــتْ يَا وَيْحَ نَفْسِي مِن شَوْقٍ وَإِشْفَاقِ ترى هل نصدق ما قيل في هؤلاء الصعاليك أنهم لصوص وخارجون عن القانون، وقد قالوا ما قالوا من عذب الكلام وأحسنوا، وجادوا بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الضعفاء في مجتمع كان لا يعترف إلا بالقوي؟!