لعل تجربة الدراما الكرتونية في الإمارات والتي ظهرت في تجربتي ''أم خماس'' أو فريج و''شعبية الكرتون''، من التجارب الجديدة التي تستحق التوقف أمامها سواء لقراءة التجربة من حيث مقدرة العمل الدرامي الكرتوني أن يقتحم ساحة العرض والمشاهدة أو أنها فنون يمكن الاشتغال عليها ليس للصغار وانما للكبار أيضاً، وهذه التجارب أكدت أن مثل هذه الأعمال يمكن الاشتغال عليها، إذا كانت التقنية عالية والهدف واضح والنصوص جيدة، كما يمكن التعويل عليها في جمع جمهور ومشاهد لا يستهان به· ولكن بعد التجربة ووضوح فكرة العمل الكرتوني وقدرته على خلق جمهور خاص به هل يمكن أن ينهض الى مستويات أكبر ويطرح أفكارا عملية وفكرية بعيدة عن روح الدعابة والفكاهة والضحك؟ التجربة تقول نعم يمكن الخروج بهذه الأعمال إلى مستويات أخرى أكثر بعداً عن اجترار الابتسامة والدعابة وخفة المواقف الفكاهية· ولكن كيف ذلك، وماذا يحتاج العمل الجاد أكثر والذي يمكن أن يطرح قضايا اجتماعية وثقافية وفكرية وسياسية؟! هل يحتاج لنص أكثر وعياً وأبعد عمقاً من اجترار كوميديا الموقف أو تحريك الشخصيات التقليدية القديمة أو البسيطة أو الساذجة ووضعها في مواقف تستدعي التندر والفكاهة والضحك، هل يمكن اقتحام القضايا المسكوت عنها عبر العمل الكرتوني، أو أن ذلك يحتاج في المقام الأول راعيا للفكرة والعمل الذي يؤمن أصلاً أن هناك قضايا اجتماعية وثقافية وفكرية وسياسية يمكن الولوج إليها وطرق النوافذ والأبواب المغلقة، أو أن صاحب الفكرة والعمل غير معني بمثل هذا الذي نطرحه وهو سائر أيضاً في الطريق المرسوم والمشرع لباب الفكاهة والترفيه؟! يتضح من بعض النصوص وليس كلها التي قدمت في العملين ''فريج'' و''شعبية الكرتون''، أن هناك رغبة في الطرق على بعض القضايا الاجتماعية ولكن في الكثير من الحلقات اشتغل العملان على بعث الابتسامة والفكاهة وتقديم العمل فقط لسد فراغ البث أو العرض، قد لا يلام هؤلاء الشباب، حيث نصوصهم هي اجتهادات فردية أو حتى جماعية من فريق العمل وليس نصوصا يكتبها متخصصون في الأعمال الفنية والدرامية ولعل فكرة الشخصيات ودورها وحركتها واستعادة ذاكرة الماضي وشخوصه هو الأكثر تأثيراً على المشاهد كونه يتحدث عن شخصيات قديمة تنتمي إلى بيئة الإمارات وتتحدث وتفكر بنفس الطريقة القديمة وتستخدم مفردات قد لا يعرفها الجيل الجديد ويرغب في الإنصات والاستماع والمشاهدة، كما هو معلوم في العمل الكرتوني فريج، لذلك كان العمل لافتاً ومؤثراً في قطاعات شعبية عريضة في الإمارات، حيث بالكاد تقبض من خلاله على ما تبقى من لهجة شعبية قديمة، ولكن هذا العمل استنفذ فكرته وأوصل رسالته في السنة الثانية من العرض، ثم بدأ بالوقوف عند قمة هرمه وتم استيعاب الفكرة وظهر العرض هذا العام أقل تأثيراً من السنوات الأولى، وذلك لضعف النصوص والدخول في مناطق لا يفضل المشاهد اقتحامها حيث تبدأ الفكرة بالتناقض مع الذهنيات والعقليات الشعبية المختلفة؛ وربما سوف يقتنع الشاب محمد سعيد حارب ان يبحث عن نصوص أكثر حرفية والتطرق إلى القضايا الاجتماعية· أما شعبية الكرتون فإنها بحق نجم هذا العام بتنوع شخوصها وطرقهم لقضايا اجتماعية مختلفة ولكن يظل الحذر ضرورياً ومهماً من تكريس مثل هذه النماذج وهذه اللغة أو اللهجة المعطوبة التي تتحدث بها بعض الشخصيات وعلى السيد حيدر محمد أن يحذر من تكريس هذا الاتجاه وأعتقد أن الشخصيات المحورية التي يمكن أن تطيل مثل هذا العمل وتحافظ على عدم إنزلاقه وضرورة تواجدها بصور أوسع هي: ''أبو مهير'' و''شامبيه'' و''أبو سليمان''· أن العمل الكرتوني فن جميل وجديد يمكن النهوض به· ibrahim_mubarak@hotmail.com