من واقع قضية شهدتها الساحة الإعلامية والثقافية مؤخراً ظهر جلياً- ونحن الذين نعيش في كنف دولة حققت الريادة في إرساء ونشر قيم التسامح وحسن التعايش- وجود نماذج في أمسّ الحاجة لدورات مكثفة في التسامح واحترام الاختلاف والرأي والرأي الآخر، خاصة مع عدم قدرة تلك النماذج على تمييز الفرق بين النقد والتشهير والتجريح.
نحيي قضاءنا العادل الذي حسم القضية وانتصر لحرية الرأي، بتبرئة صاحبة الرأي وليراجع الطرف الآخر موقفه ويتبصر ويدرك أن من يطرح للساحة مؤلفاً عليه أن يتحمل كل انتقاد يوجّه لمحتواه، سواء بتقبله أو رفضه، طالما لم يتضمن أي تجريح شخصي لصاحبه.
اليوم هناك آلاف المنصات والمواقع المتخصصة في العالم التي تعرض نتاجات إبداعية في مختلف الميادين والمجالات، وتحظى بمتابعة الملايين لأهميتها في مساعدتهم على حسن اختيار ما يريدون ويتطلعون إليه من استفادة وفائدة علمية ومعرفية، حرصاً على وقتهم الثمين في عصر متسارع الإيقاع. ويشرف على تلك المواقع اختصاصيون ونقاد على درجة عالية ورفيعة من الثقافة والرسوخ في العلم، بل إن أصحاب تلك المنصات الجادة والمهنية المتخصصة يتسابقون لاستقطاب أهل الخبرة وكبار النقاد للكتابة فيها.
القضية قادت لجدل واسع في المجتمع بسبب غرابة الدعوى غير المسبوقة، وكذلك بسبب ما كشفته من ضرورة التوقف أمام مثل هذه النوعية من القضايا التي تسيء لحرية التقاضي، فليس كل أمر جديراً بأن يرفع للمنصة العالية للقضاء، تقديراً لمكانته الرفيعة وحرصاً على وقته الثمين الجديد، فالمسألة ليست تجارة أو عناداً لما يعتبره البعض «تأديباً» لخصم!. لذلك نتمنى وجود جهة تحدد قبول أو رفض تسجيل هذه القضية أو تلك، خاصة القضايا مثل هذه القضية التي حدثتكم عنها والمتعلقة بتقييم عمل «إبداعي» لأننا لو فتحنا الأبواب المشرعة لهذه النوعية من القضايا ستؤثر سلباً على المشهد الثقافي والفكري والفني بصورة عامة، وسيجد أي ناقد جاد ومهني في أي من المجالات نفسه أمام معضلة ومعادلة صعبة، ويكثر بعد ذلك النقد السطحي والمجامل، والمتضرر من ذلك الساحة والمتلقي، في وقت تحرص فيه قيادتنا الرشيدة على دعم الإبداع والمبدعين وتشجيع النقد البناء والحوار والتفاعل. وعقد الملتقيات والجلسات الحوارية والنقدية والمعارض لتتطور الأفكار والرؤى للارتقاء بالمحتوى الذي يعبر عن إمارات الخمسين التي بلغت المريخ بفكر ثاقب وطموح وثاب، وكلنا «أماني» بأن تصفو ساحتنا الثقافية والإبداعية من الشوائب الطارئة.


