العولمة!
أليست لفظة ثقيلة على السمع اللغوي العربي؟ فبالنسبة لي لا يقابلها في إيقاع وزنها ونطقها سوى لفظتين تحضراني من دون جهد البحث في القواميس، هما الحوقلة، والحوصلة. ومن غرابة هذه اللفظة أن برنامج «ويندوز» العربي يضع تحتها خطاً أحمر باعتبارها خطأ إملائياً!. وعليك أن تصحّحه بالرجوع إلى ميزة التدقيق اللغوي. لكن المدقق اللغوي ليست لديه كلمة غير كلمة «العوامة». ولأنك لن تقبل بالعوامة بديلاً للعولمة التي لا تقبل التجاهل!
العولمة إذاً كلمة مقحمة على الإيقاع اللغوي للبلاغة العربية، كما أقحمت على الحضارة العربية والحضارات الإنسانية، إذ إنها ناتج قوة علمية وتكنولوجية، تسعى لأن تستفرد بالسلطة والقرار. وهي في ذلك أقرب إلى لفظة الحوصلة عند النسور، وبمثابة المعدة عند الإنسان. وهذا يعني أن العولمة هي حوصلة التطور التكنولوجي والعلمي كرمز للنسور. ومع ذلك يبقى الفرق شاسعاً بين العولمة وحوصلة النسور. ذلك أن العولمة حوصلة رهيبة القدرة والاتساع بحيث أمكنها ويمكنها أن تبتلع العالم كله، وتتلاعب به بين فكيها، وتفرقعه كالعلكة إذا سئمت. فجدران الحوصلة التكنولوجية لا تشبه جدران حواصل طيور الأرض مجتمعة، في قوّتها وجدارتها على الطحن، إذ إنها مسلحة بترسانة التطور العلمي والاقتصادي والمعايير السياسية التي تنثرها عبر ملايين القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي على القارات والمحيطات. فثقافة العولمة غير ثقافة الشعوب.
ولفظة العولمة ليست ثقيلة على السمع العربي وحده بل على شعوب اللغة اللاتينية التي لا ترى في «جلوبال» وقعاً ناشزاً إلا في نتائجه المدمرة لهوياتها الحضارية. فعندما تكون إنساناً ممسوساً بالعولمة فإنك لا تعرف على أي أرض تقف، ولا أي وسيلة أو إشارة تعبر عن وجودك. ولا من تحب ولا من تكره، ولا من تقف معه ومن تقف ضده، فأنت كشخص معولم، عائم تائه في عوامة. وهنا يمكننا أن ننتبه إلى اللفظة البديلة التي يقترحها المدقق اللغوي لبرنامج ويندوز العربي «العوامة». ورغم أني لا أعرف مصطلح العولمة في اللغات الأخرى كالصينية والإندونيسية والزمبابوية، مثلاً، إلا أني أعتقد جزماً أنها مصطلح ثقيل الوطء على تلك اللغات والحضارات. وبما أن العولمة أصبحت كالطوفان الذي يعصف بالكل وفي كل مكان، فإن اللفظة الشبيهة في الإيقاع، والقريبة من النفس الحائرة، والاستجارة بمن هو أقوى وأعلى، هي الحوقلة: (لا حول ولا قوة إلا بالله) من قَدرٍ قُدّر علينا وليس لنا قدرة عليه!


