من قلب العاصمة أبوظبي ارتفع صوت لغةٍ عالمية تُعبّر عن إنسانيتنا المشتركة، وتستلهم من جذور ثقافتنا الروحية والدينية خطابها الجمالي على مستوى الطرح والتعبير الفني والأدبي.
هكذا استطاعت جائزة البردة بعد 19 دورة أن ترسّخ مكانتها حدثاً ثقافياً عالمياً بامتياز يمتدّ في مسار تصاعدي من عمق الرؤية إلى التحقق الفعلي والإنجاز الملموس.
والجائزة كما وصفها معالي وزير الثقافة الشيخ سالم بن خالد القاسمي، أصبحت تعكس الدور الريادي للإمارات في تمكين الفنون الإسلامية وتعزيز حضورها العالمي. حيث ارتفعت نسبة المشاركات إلى أكثر من 50 دولة، وبزغ ضوء فنونها قبل أيام على مسرح متحف اللوفر، لتتجاور الموسيقى مع فنون الأداء، ويتقارب فن الخط مع ممارسات الزخرفة الإسلامية، متوجة جميعها بحضور آسر للشعر العربي بحقوله في الفصحى والشعر الشعبي والشعر الحر.
الميزة الأرفع لهذه الجائزة هي تمكنها من أن تصبح منصة عالمية للفنون الإسلامية، التي تضرب بجذورها في تراث وآداب وثقافات شعوب العالم كافة، فإلى جانب الدول الإسلامية الرسمية، هناك عشرات المدن في كافة قارات الأرض لا تزال تمتلك مخزوناً فنياً يستوحي نبضه من الروح الإسلامية، وهي جميعها تستحق التكريم و«التدوين»، وهو الدور الذي لعبته الجائزة على مدى تاريخها لتحافظ على ذاكرة هذه الفنون الرائعة وتقدمها للوجدان الروحي في كل مكان.
استطاعت الجائزة أيضاً أن تعمّق الحوارات الفلسفية والفكرية حول معنى الجمال في الحضارة الإسلامية، وقدرة الفنون الروحية في توليد لغة مشتركة قادرة على التفاهم بلغة الجمال، وبناء جسر معرفي بين الذاكرة والعصر الراهن. هكذا نرى الخط العربي، يتجلى اليوم في لوحة فنية تحاكي أرقى مدارس الفنون في العالم. وهكذا نرى القصائد الشعرية القادمة من تخوم الصحراء ومن ضفاف المتوسط ومن أواسط آسيا وأفريقيا، تتجاور وتنصهر معاً، لتكشف لنا عن وحدة الحسّ الإنساني وإن تعددت الرؤى فيه.
والأروع أننا صرنا نلمس هذا الحضور ممهوراً وممتزجاً بالموسيقى الروحية الآسرة والأناشيد المشبعة بالمناجاة والآلات التي تعزف نغماتها بالتماهي مع السكينة المطلقة.
نحتاج إلى أن ندرك حقاً أن لغة الجمال هي إحدى أرفع الطرق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى. وما تقدمه جائزة البردة هو إعادة بناء هذه العلاقة بين الإنسان والفن، وبين القيم الجمالية وسمو الروح الإنسانية.
فشكراً لجميع من اتحدوا لإشعال هذا الضوء في حياتنا.