في رحلة عبر الزمن، في جولة في تلافيف التاريخ، وجداوله الرائقة، كانت العين تدمع، والقلب يشفع، والروح تحلق بأجنحة الذاكرة، وليس من وصف يستطيع أن يقدم نقطة على السطر، وأنت تهيم وجداً بمآثر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي تكللت بفكرة نيرة، تحت متحف يعني بصورة زاهية راسخة في الأذهان والقلوب، للمؤسس الباني، تلك الصورة التي تضع الأواصر في مقلة العين، ولب القلب، وتجعل المتأمل يعيش لحظات زاهية، مثلما تعيش الفراشات في حقل الزهور، مثلما تهيم الطيور بين زرع ونبع. 
في متحف زايد الوطني، ترى التاريخ يتمشى على رموشك، ويلون المقلتين بمشاهد عبقها من عطر التاريخ، وصورها من منجز فني يفيض بإبداعات رجل كانت للقصيدة معه حكاية ملهم، وكانت للصحراء في روحه، علاقة الرمل بالأشجار، وكانت للأحلام في نفسه مدار مدى أوسع من كتب التاريخ، أرفع من النجوم، وأعظم من موجة البحر، وفي المتحف تسير أنت المتأمل بخطوات وكأنك تخوض في اللجة، وكأنك تسير على مخمل الأيام بقدمين حافيتين، فتلمس نعيم الأرض، تلمس ثراء الذاكرة، تلمس رخاء المخيلة لزعيم مد اليدين لله تعالى، فمنحه الصبر على التغيير، تغيير الواقع، من فقر مدقع، إلى غنى مد سحابته إلى الإنسان، إلى الطير والشجر، إلى القريب، والبعيد، وكل في نظرته الثاقبة، سواسية، كأسنان المشط، ولما تنظر إلى اللوحات الإرشادية، وإلى اليافطات التي تشرح معالم زايد الخير، وعوالمه، تشعر أنك أمام كتاب عملاق أطلق عليه متحف، وهذا الصرح، هذه القلعة الإماراتية تليق بقامة هيابة، استحقت كل هذه الهيبة، كل هذه المهابة، كل هذه السحابة الممطرة، بذاكرة ومآثر لو حاولنا رسمها على الصفحات، لجف الحبر؛ لأنه في تاريخ زايد الخير، البحر هو المداد، والصحراء كتاب يفتح صفحاته، ليقرأ العشاق عن ديوان شعري، عميق الجذور، اسمه فيض زايد الخير، اسمه تاريخ زايد الباني لنهضة وطن، المؤسس لدولة أدهشت السامع، والناظر، وسجلت اسمها في قاموس الحضارات العظيمة، ورسخت اسم القائد على لوح محفوظ. 
عندما تدخل بوابة متحف زايد الوطني، تشعر برهبة تمسك بعقلك، وقلبك، تشعر أنك تذهب في عميق التاريخ، وفيه تضيع العبارة، وتبدأ الجملة المعرفية، تسفر عن حروف الضاد، بنقاء، وصفاء، وتبدأ أنت المسافر عبر الزمن، تفكر، أي قوة عزيمة صنعت كل هذا، في ذروة زمن شحيح، وأي قدرة عقلية تجاوزت محارات القلق في زمن البدايات، واستطاعت هذه القدرة أن تفك الشفرة، وأن تعلو على التلال المحبطة، لتثبت أن العزيمة عندما تزهر في قلب الإنسان، تكون شجرة وارفة الظلال، وتكون الروح طيراً بأجنحة الأحلام الزاهية، القلب فناء واسع يحتضن الكائنات، ويرعاها، ويحمي ضالتها. 
في المتحف، وقفت، وتسمرت، مدهوشاً بهذه الصورة الاستثنائية، لواقع إماراتي خلاق، يرى في التاريخ عبرة وموعظة، وينظر إلى الذاكرة ككتاب منه تستقي الأجيال همتها، ومنه تمسك بأسباب النجاح، والظفر بجداول الاخضرار، وجدائل استحضار الوعي بأهمية الجمال، ورونق الدلال، عندما تصبح الدلال، كواعب منسوخة، من روح القداسة الإلهية، وعندما تصبح الحياة، حقلاً زهوره من عيون ناعسات، وغزلانه من فيض احتمالات لثغور كأنها الحلم في عيون العشاق.