ما كانت كرة القدم في جوهرها وعمقها لعبة أقدام تطارد جلداً مدوراً فحسب، بل كانت أيضاً لغة إنسانية تنطق دون ترجمة، وتُفهم قبل أن تُشرح، إنها مسرح رمزي على خشبته تتجسد القيم وتختبر فيه الفلسفة، وتُروى من خلاله حكاية الإنسان مع ذاته ومع الآخر، هكذا أو تقريباً اختزل الفلاسفة المبنى القيمي لكرة القدم الذي يجلس الملايين على الأرائك في مدارج الملاعب، وفي صالونات الفرح والشجن بالبيوت، ليستمعوا إليها، قصيدة تُكتب بالأقدام، وفلسفة تُقرأ بالقلوب.
هذه القوة الناعمة لكرة القدم، هي ما يفتت الصخر، ويقبض على ناصية المشاعر، وتسافر بكل من يعشقها إلى دنيا الجمال ومدائن التيه. وقد وجدت مجسماً لكل هذه التعريفات الفلسفية في الحفل الافتتاحي لكأس أمم أفريقيا في نسختها الخامسة والثلاثين المقامة حالياً بالمغرب. اقتضى الملمح الفني لكرة القدم وعناقها الأزلي مع الفن التعبيري، أن يكتب الإبداع منذ عقود من الزمان بريشة فنان وببلاغة شاعر، وبمهجة مطرب، وبرقصة الألوان والإيقاعات، مقدمة للتجمعات الكروية الكبرى، فكانت حفلات الافتتاح من ميلادها الأول وحتى اليوم سباقاً جميلاً نحو التعبير الفني، تماماً كما أن المباريات هي سباق بالأقدام والعقول أيضاً لكتابة ملحمة النصر، لذلك كان كل الأفارقة مشدودين إلى الاحتفالية التي سترفع الستارة على نسخة كأس أمم أفريقيا الحالية، التي ما اجتمع حول استثنائيتها وتاريخيتها كل الخبراء والإعلاميين عبثاً، لأن ما يضعه المغرب تحت تصرف هذه النسخة، يقودها فعلاً لصناعة الإبهار.
على مدى ثلاثين دقيقة من الزمن، في ليلة ازدانت بغيث البركة، سافر الحفل الافتتاحي على أجنحة الإبداع، ليروي الحكاية، حكاية قارة سلبوها كل شيء، إلا بساطة إنسانها، ولم يأخذوا منها عنفوانها وروحها، لذلك صورتها المشاهد المصممة بماء الدهشة والمخرجة بنار الإعجاب، لتعطي العالم رسالة بليغة، تقول: إن قارة أفريقيا تصوغ الحلم بطريقتها، وتكتب العشق للحلم بطريقتها، بل إنها تعطي تعريفاً خاصاً بها عن الأمل الذي لا ينقطع معه رجاء.
ارتفعت الستارة في تلك الليلة الماطرة، وأدخلنا المغرب جميعاً في بالون سحري سيسافر بنا لشهر كامل إلى عالم أرجواني، حدوده الخيال، جنسيته الإبداع، ونشيده يصدح في الأرجاء، هنا الحقيقة أجمل من الخيال، هنا أفريقيا بالحلم تحيا.
بين فرسان هذا السفر الأرجواني ستة منتخبات عربية، أي ما يمثل 25%، والطموح أن يدور بنا ذاك الصحن الطائر دورته الجنونية، وعندما يعود إلى القاعدة، يكون منتخب بين المنتخبات العربية المشاركة هو البطل، وتلك حقيقة ستكون هي الأخرى أجمل من الحلم.


