(أنت مرئي، أشعر بكَ، ولوجودكَ أثر).. قد يكون ذلك كل ما يحتاجه أحدهم ليبقى صامداً في وجه ما ينهشه داخلياً، بل صدقوني قد يكون ذلك سبباً ليبقى أحدهم على قيد الحياة! عندما تصل هذه الرسالة إلى القلب وتقبع فيه، وقتها يكتمل لدينا الشعور بأن هناك مَنْ تنتمي له. ويأتي  شعور الانتماء عندما يتملّكنا الإحساس بأننا في مكان فيه عيون ترانا، وقلوب تشعر بنا، ونفوس تتأثر بحضورنا، وقتها يُصبح ذلك المكان مرساة للروح، وسبباً للنجاة. فالحقيقة أننا نعيش جسديّاً طوال الوقت داخل مجموعات، في المنزل أو العمل، في جلسات الأصدقاء والمعارف، في دوائر الهوايات والاهتمامات. ولكن الواقع أن بعض هذه الدوائر تتعب الروح، وبعضها تتسّع حتى تضمَّ الكون كله بين ضلوع أصحابها. 
هذا ما تأكد لي عندما أخبرني صديق متعاف، بعد أن بات حزنه واضحاً بسبب عجزه عن حضور اجتماعات غُرف التعافي من الإدمان مؤخراً لأسباب قهرية، فما يجده هناك ليس مجرد برنامج علاجي، ولا اجتماعاً روتينياً لتمضية الوقت، إنه في ذاك المكان يستعيد وزملاؤه شيئاً أكبر من أجسادهم وأبعد من صحتهم، هناك يستعيدون معنى وجودهم! فهناك يجدون الملاذ الذي لا يُشبه أي مكان آخر، حيث يولد الإحساس القوي بأنه بين من يفهمه، من لهم نفس الجروح، بين من يشبههم في تعثّرهم وفي محاولاتهم للنجاة، تلك المحاولات التي لا يصدّقها أحد خارج الغُرف.
تُعد الانتكاسة والعودة إلى التعاطي، أكبر مخاوف المتعافين، الذين خاضوا تجربة الإدمان وعادوا منها بشقِّ الروح، وهو الأمر الذي لا يملكون قوة لتجنّبه في خضمّ مغريات الحياة وقسوة الواقع، سوى بمساندة بعضهم. فالتعافي ليس نجاة فردية، بل تجربة انتماء كاملة، تولد من بيئة لا تتاح للمتعافي إلا حين يكون بين من وقعوا في فخ هذه السموم، وقرروا النجاة منها معاً. وحدهم المتعافون يعرفون جيداً ثمن أن يعيش المدمن خارج الدائرة، خارج الإصغاء والاعتراف، وخارج الشعور بأن لوجوده وزناً في هذا العالم.
الشعور بالنّبذ والعزلة أو حتى التعاطف، أسوأ ما يهزّ مسيرة المتعافي، وهذا ما لا يدركه الكثير ممّن يعملون في حقل علاج الإدمان، مولين اهتمامهم الأكبر للجانب العلاجي الصحي والمادي، غير مدركين لأهمية برامج المساندة اللاحقة التي تحققها غُرف التعافي، وأهمية الانتماء المتحقق فيها. فالمدمن حين ينهض من حافة الهاوية، لا ينهض وحده، بل ينهض وهو مسنود بأيادٍ كثيرة، بعضها معروف، وبعضها في ذلك الإحساس الصادق الذي يجده في من حوله في غُرف التعافي، ذلك الإحساس الذي يخبرونه به: أنهم يشاركونه معاناته، وأن وجوده يُحدث فرقاً، فهو مرئي.. وله أثر!