بألوانها الزاهية المتنوّعة، تضيء العباءة الخليجية، وتسجل حضوراً لافتاً في عاصمة الضباب، وأينما توجهت، وأينما وليت وجهك، تجد الخليجيين يعمرون شوارع لندن بالابتسامات السمراء الرائقة، تجدهم يزهون الأماكن السياحية، والأثرية والتجارية، والمقاهي، والحدائق العامة، وتسمع اللهجات تدندن في كل مكان، تطربك هذه الترنيمات الموسيقية الرائعة، وعلى الرغم من أنك لم تقضِ إلا أياماً قلائل، في بريطانيا، فإنه عندما يطرق باب مشاعرك لحن اللهجة الصحراوية، تشعر بالحنين إلى تلك المناطق الشاسعة، والتي تبعد عنك في تلك اللحظات بآلاف الأميال، وكلما هتف هاتف من قريب، أو ضحكة عفوية، لامستك الشاعرية، ورحت تبحث عنك في غضون هذه الحشود البشرية المزدهرة بالمعاطف الصوفية السميكة، والأوشحة الزاهية، صرت تبحث عن موقعك في إعراب الجملة البشرية، الواضحة على سبورة الواقع اللندني، الجميل.
ولا يغيب الصغار عن المشهد، والذين رفلوا بمباهج ابتسامات تشرح القلب، تفتح نافذة لمزيد من الفرح، في بلد أصبح اليوم واحة غناء، تغرد على أغصانها طيور الصحراء، طربة بالمكان، وبالتاريخ.
وأنت بين هذه الوجوه المعطّرة بلمح الخليج، وبخور الصحراء، تجتاحك مشاعر غريبة، تفيض روحك بعوالم شبه سرمدية، تفيض أنت بأحلام مثل ثمرات البندق على أغصان الأشجار العملاقة، في شوارع لندن، تشعر بأن لندن خُلقت لتكون مرتعاً حيّاً، نابضاً، لشعوب تحب الحياة، لأنها جاءت من عصب النخلة، محملة بعناقيد الأشواق والتوق إلى عقد اجتماع حاسم مع الفرح، وإقامة حفل يجمع العالم على أرض دائماً ما منحت للتاريخ فرصة كتابة روايات رومانسية، عن الحياة، وعن الناس، وعن الأحداث التي تنتاب عقول وقلوب عشاق الغيمة وهي تنقش ثوب الأرض بزهرات، وثمرات، تلامس ودّ الطير المحلّق عند هامات الغيمة، وفي كل صباح تخرج أنت ورفاق السفر، الفكرة لم تزل تتأرجح بين النضج، وبين المراهقة البلاغية، تشعر بأنك بحاجة إلى مساحة أوسع من لندن، تأخذك لكتابة عمل فني تستحقه هذه الألفة البشرية، تعجبك، هذا الغزل على قماشة أحلامك الصغيرة منذ كنت طفلاً، وهي لا تزال، تدغدغ مخيلتك، وأنت المحتفي، أنت المحتفى به، في هذه البقاع النائية من عالم يصغر أكثر، كلما كبرت أحلامنا، تمطره الغيمة، بمزيد من البلل، مزيد من الأحلام التي لا ينقطع سيلها، ولا بذلها.
في المساء عندما تتأخر الغيمة عن بث الوجود بلمحة سمراء غنيّة بالبريق، أشعر بأن شيئاً ما حدث في نواميس الكون، ولكن عندما تنزل نثرة رقيقة أشعر بأن الحياة ليست معجماً لغوياً، بل تحكمه قواعد الخليل الفراهيدي، بل هي حديقة غنّاء راسية عند خاصرة الوجود، تدعو العالم كي يجتمع على كلمة سواء، كلمة حب، ولمحة جمال، وشكراً.


