صباح عام جديد لم يتأخر لأن المعاني فيه باقية لا هاربة، صباح مواقف الزمن الصعب لمن يريد التفكر والتدبر والتأمل، صباح «أبو خالد» الغالي، نبراس الآخرين، وغارس القيم والمعاني في الأجيال المقبلة، هي أفعال عفوية لكنها كبيرة قام بها «أبو خالد» بعفويته المعتادة، وطيبته المتأصلة، وبذر زايد اليانع بالخير، ونشأة الصقور التي لا تبور.
لذا.. نُكبر في الأشياء كبيرها، ونُكبر من الأشياء صغيرها، ولو كان قدر رجّة الفنجان أو قدر رفع الكف للتحية أو رد السلام، نُكبر في الأشياء ولو كانت قدر وثبة لسقية كبير، له المقام، وهو سيد الحضور، وفي لحظة، وكأنه الأب والوالد ذكره بالخير، وكأنه الآمر، والواجب عند قدميه، ونُكبر في الأشياء، لأن من قام بها جاءت عفو خاطره، وأصالة نفسه، وتلك التلقائية التي تميزه، فتعليه علو النايفات، يفعلها ونغليه، ونُكبر في الأشياء أن من يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قدوة الجيل، وصانع فخره، والمثال الذي يتراءى كفارس من تاريخ عربي معطر بالانتصارات.
ونُكبر في الأشياء كبيرها، لأن من صنعها ويصنعها، وكأنه يريد أن يرسلها لتخلد في الرأس، كبيرها قبل صغيرها، خاصة ونحن ما أحوجنا في هذا الزمن المترامية أثقاله وأوجاعه أن نتعلم من جميل إرثنا، وغالي طبعنا ما تناسيناه في غفلة منا، فلا وهنت تلك اليد، لأنها بيضاء ككف أبيه، فيها السلام وعاطر التحية، لمن قصد الخير، وجاء ذاكراً الرحمن في صدره، وهي مقبض للسيف، بتّار العدا، لمن احتطب في ظلمة، ولمن جاء يريد بغياً أو ظلماً أو جنح للاعتداء، سلمت يمينك لا عدمناك، جعلها بالخير والماء مجراها، هي للعزيز والصديق عضد وسند، وفيها للمحتاج والمعتاز جبر من العثرات، وحفظ وجه الكريم.
لِمَ الأفعال الصغيرة تفعل فعلها في النفس؟ وتجعل الرأس يرتفع من فخره، وثمة ريح باردة تمر على الجسد ترعده، والقلب لا تجعله في محله يبرح، ثمة رقصة تفرحه، هكذا هي الأشياء التي تجلبها فطرتها، تجعلنا من زهونا بها، وددنا لو توجّنا بها رؤوسنا كعمائم من مجد نوده لا يزول، كبيراً كنت كعادتك يا «أبو خالد»، عزيزاً وغالياً ما فعلت، وأنت تثني ركبتك للصغير، وتقلد قبلة على رأس الكبير، وتثب لغير القادر، وتعضد من تُزل به قدم، فتجعل القلوب تثمن لفتة يمينك، وتجعل للأطفال درسا يعونه، ولا ينسونه، وتثلج صدور الأهل، فتباركت، وتباركت يمناك.
نُكبر في الأشياء فاعليها، بهم ترتقي الأشياء، وبهم تسمو، ومنهم نستشف الحكمة، ومعنى الصبر، وخير ما يتصرف الرجال، فبعض المواقف تريد كل الرجال، وكل المواقف تحتاج لبعض من الرجال، لذا تكبر الأشياء بكبيرها.
وما فعلته وتفعله يا «أبو خالد» بسماحتك المعهودة، وتلقائيتك المعروفة، وتلك البساطة المجبول عليها مرة.. بود الابن لأبيه، وبتوقير الكبير، وبتلك الوثبة التي سبقت بها الجميع، مثل تلك التي كانت نحو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حين أراد تناول شربة ماء، وكنت الأبعد والأقرب لمناولة يمينه، بعض الأمور لا تغادر الرأس، وتبقى تتذكرها وكأنها وسمت بين عينيك، حينها جعلت من أبسط الأشياء، أنبلها.. وأكبرها!
ومرة بقيت في نفسك تلك الطفلة التي شعرت أن خاطرها قد كُسر، حين مدت يمينها، ولم تشعر بها، لكنك تطيب خاطرها وتلتقيها قبل أن تغفو عينها ذاك المساء، وكلمة اعتذار منك لها رأيت أنها واجبة، ليلتها كلي يقين أنها لم تنم من الفرح أو أنها نامت وقلبها مجبور، وأجنحة أحلامها مثل الطيور.
 وكم.. وكم قبلت جباه أولئك الرجال من ذاك الزمن الصعب، والصبر الثقيل الذين جالدوا الحياة وبنوا وطناً.
تريدون قائداً مربياً، تريدون بانياً حانياً، تريدون إنساناً نبيلاً تاجه الشرف والظفر، ذاك هو «أبو خالد»، حين ينتخي المجد، وحين لم يلد، ولم تلد!