في الأرض الخضراء، تسطع وتشمخ وتكرم اليد التي تحرث وتُعمِّر الأرض... في مزارع النخيل القديمة، كان البيدار يروي البساتين بكفّ يدٍ قطعتها حبال (الدلو) وجذب الماء من آبارٍ عميقة. لا يبالي البيدار/ غابش بالوقت ولا يعنيه مرور الزمن، حالة لم تتغير؛ يجد أن الله وهبه حبّ الاخضرار والنخيل. نسي قريته البعيدة في العمق العُماني، فالساحل امتداد طبيعي لأرضه في كل شيء.. لا فرق هنا أو هناك، كلها الأرض التي يعشقها، وكل الناس أهله، حتى وإن كان غريباً على الساحل، إلا أن روحه وعمله هما عنوانه الدائم والأبدي.. فقط مسكن طفولته يغيب في البعيد، أما الأرض فهي أرضه والناس أهله، لذلك قرر أن يستقر حيث عمله ورزقه.. شيد مسكناً بسيطاً مع سور/ حوشٍ واسع، غرس شجرة (جز) أثلٍ في زاوية السور المبني من سعف النخيل، نبتت الشجرة سريعاً وصعدت إلى السماء، قسم مساحة المسكن وزرع الكثير من النباتات والخضر، أصبح يأكل مما زرعت يداه.. أحضر بعض الدواجن والماعز، بعد مدة لم يعد يحتاج لأي شيء، كل ما يرجوه فقط أن يمدّه الله بالصحة والعافية، وأن تظل قوته وعزيمته في العمل قويةً.. سعيد بعلاقاته الاجتماعية مع الناس، الجميع يحبه ويقدر عمله. امتدّ به الزمن طويلاً وتقدم في العمر وما زال يعمل في المزارع والنخيل، بيداراً مخلصاً في عمله.
في أحد الأيام، جاء من المناطق الجبلية رجلٌ، عرض عليه أن يعمل معه ويساعده، كان الرجل قوياً وأثر حياة الجبال واضح عليه، في طباعه وحتى شكله الخارجي، يحمل عصاً تنتهي بفأسٍ صغير ويضع سكيناً في حزام خاصرته، سريع ردات الفعل، وكأن قطار الزمن والحياة قد أرهقه كثيراً. لم يكن غريباً على غابش البيدار طبع أهل الجبال؛ فهو يعرف الأرض والبيئة الجبلية والساحل، حاجته ومرضه وتعبه من العناية بالبساتين والزراعة جعلته يتنازل عن الكثير ويقبل أن يعمل معه هذا الرجل الجبلي وأن يسكن معه.
بعد مدة، أحضر الرجل كلباً كبيراً إلى المسكن، اشترط عليه غابش أن يربطه بعيداً عن المسكن. بعد مدة مرض البيدار غابش، ثم فارق الحياة.. أهمل الرجل الجبلي العناية بالمسكن وريّ الأشجار والزراعة، تناقصت الدجاجات التي كان غابش يربيها ويعتني بها! اختفت الماعز، ذبل الزرع ومات، أطلق الرجل الجبلي الكلب في فناء/ حوش المنزل، عبث بالأشجار وتبول في كل مكان، أصبح المسكن ملعباً لذلك الكلب، تطاير الغبار، تساقط جدار المنزل المبني من سعف النخيل.. مرض الكلب وأصابته حشرات (القراد) ثم مات، هبت الرياح والعواصف واقتلعت المنزل وأصبح ركاماً من الجريد.. اختفى الرجل الجبلي، لم يتبقَّ غير شجرة (الجز).
بعد أعوامٍ، تغير كل شيء، عُمِّر المكان بمبانٍ إسمنتية جديدة.. جاءت أيادٍ خضراء وصنعت حياةً جديدةً.. يتذكر الناس اليد المجبولة على الخير والعطاء وإعمار الأرض، حتى بعد الرحيل بزمنٍ طويل... نعم، رحلوا، ولكن سوف تتذكرون كفوف العطاء، والعزة التي تركوها في أرضكم بعد أن رحلوا بشموخ الرجال.


