رغم التفات البشرية إلى قدرات الذكاء الاصطناعي وإمكاناته المذهلة، فإن الغرب لا يزال يتمسك بجذور المفاهيم العقلانية، التي أسّست لها الفلسفة، ومهّدت بالتالي لقيام المجتمعات وتأسيس الدول على قيم العدالة والمساواة والنظم الدستورية، بداية من جمهورية أفلاطون التي طرد الشعراء منها. لفت نظري مؤخراً خبر إصدار ترجمة جديدة كلياً لجميع حوارات أفلاطون، والتي تتكون من 1320 صفحة، من قبل دار غاندون وأتاحتها مجاناً على الإنترنت بتكلفة نحو مليون يورو. وهو مبلغ ضخم جداً لإعادة تقديم أعمال سبق أن تُرجمت عشرات المرات، لكن الغرب يدرك أهمية هذه الحوارات كونها تعلمنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر به. وفي هذا المنهج فإن طريقة التفكير تكون هي الأساس، ويصبح السؤال أكثر أهمية من الإجابة.
ورغم أن تاريخ الفلسفة يشير إلى بدايتها قبل نحو 2500 سنة مع السبعة الكبار قبل سقراط، فإن الانطلاقة الحقيقية لها كانت مع أفلاطون، الذي نقل لنا حوارات سقراط وطريقة التفكير التي كان يتبعها مع تلاميذه، حيث لم يكن يقدم تعليماً مباشراً أو تلقيناً للحقائق الماورائية، بل دعوة إلى التفكّر لاكتشاف حقيقة الذات الإنسانية. وكلنا نتذكر جملته الشهيرة «اعرف نفسك» التي نحتاج إليها في أيامنا هذه أكثر من أي وقتٍ مضى.
خبر فلسفي آخر مثير ومهم هو إطلاق مسلسل «في انتظار الإفراج» الذي بدأت قنوات BBC البريطانية بعرضه في 3 يناير الماضي، وتدور قصته حول شخصية «دان» المدرس الذي يعقد حلقات نقاش فلسفي داخل السجن، وتتحول الدروس إلى مرآة لحياة السجناء وأسئلتهم عن الحرية والأخلاق والحب، وفي نفس الوقت تصير هذه الحوارات سبباً لمواجهة دان لماضيه وعلاقاته العائلية المعقدة. لكن الأهمية الكبيرة لهذا العمل تكمن في أن التناول الدرامي يعتمد على فكرة أن النقاشات الفلسفية لموضوعات مثل الحرية والهيمنة والذنب من داخل السجن تقود إلى «معاني مختلفة» لأن المتحاورين يعيشون تحت سطوة القيود بشكل يومي. ووصف أحدهم العمل بأنه «سلسلة من حوارات سقراطية مع سجناء فلاسفة» لكن السؤال الأهم الذي أثاره المسلسل هو: هل يمكن لإنسان داخل السجن أن يفهم معنى «الحرية» بطريقة مختلفة عن إنسان خارجه؟
تظلُّ الفلسفة البوابة الواسعة المفتوحة دائماً لاكتشاف الحقيقة والتقرب منها، وما نحتاج إليه هو أن تظل عقولنا منفتحة على ابتكار السؤال الفلسفي وتدريب أنفسنا على اكتشاف ما يؤدي إليه.


