كان الناس يعرفونها من بعيد، كانت لها علامات تدل على حضورها في كل مكان، أتذكرها كان وزنها يعادل وزن رجلين، ولها ضخامة حتى حين كبرت، لكنها لم تتخل عنها، حتى يكاد الناس أن يشفقوا على «مَصّريتها» التي شاخت معها من ذلك الوزن الذي يقارب ثقل شجرة «الأبنوس» الأفريقية، كانت تزين تلك الأتان بزركشة وحليّ، وسرج مذهب يليق بفرس صقلاوية، لكنها كانت العزيزة عليها، وكأنها مثل بنتها البكر أو أختها الصغرى، ولاحقاً أحضرت معها من إحدى سفراتها إلى قطر «هرن»، وركبته على تلك الحمارة التي في البداية كانت تجفل منه، خاصة حَزّة تلك السهوة في الظهر، وبعد تعب الممشى أو حين تقترب منها سيارات الجيب التي «كندمها» جيش «تي. أو. إس»، واشتراها الناس من دون رخص قيادة، ولا معرفة أكيدة بإصلاحاتها ساعة العطب.
أتذكر صورتها التي كانت لها مشهدية مختلفة ومميزة عن بقية الناس، كان ظهورها الحي بين الحارات وفي السوق القديم وفي مسراحها بين المويجعي والمعترض والعين أو ساعة ما قبل الغروب، وهي تتبع ما بقي من ظلتها بانتهاء يومها نحو ذلك البيت الملحق بالحوش الكبير، حيث لا أحد غير هي وجدران الطين، حتى اشتهرت بين أهالي أم سبع البلادين بذلك الظهور والحضور.
كان لاسمها رنين مختلف عن أسماء نساء الواحة، كان يشبه إيقاعات ضاربي الطبول الأفريقية ساعة نشوتهم وحماسة رقصهم، وكان لحضورها بريق، حيث تمتطي حمارة في تنقلاتها، وتضع فوق رأسها مظلة أو شمسية سوداء، وكان لديها قرد يتراقص بين كتفيها وظهر الحمارة، كان مسلسلاً بقيد حديدي، يقول الناس: إنها جلبته من إحدى رحلاتها إلى «بمبي»، وكان يأتي بحركات تضحك الناس، وكان يقلد سيدته، ولا يحب السكون، حتى قفزاته كانت مضحكة ومسلية للناس وخاصة الأطفال، لكن الويل لمن يتعرض لها أو لحمارتها أو قردها، كان لديها عكاز غليظ أشبه بالمشعاب أو القَبّ، وكان يحمله الرجال عادة، لكنها هي من اختارته، وانحازت لمكانته، كانت لا تتوانى في أن تضرب به أي أحد، فهي رغم طيبتها ومسالمتها إلا أنها تشتاط غضباً، خاصة ساعة الظهر وحرقة الشمس، ووجهها يغدو مثل «الحلواه» لامعاً لاصقاً، ولا أحد ساعتها يمكن أن يهدئ من روعها، لا أتذكر كثيراً لغتها، غير مرات وحين غضبها حيث تتخالط العربية بالسواحلية، بكلمات من جهات أخرى زارتها، وبقيت في رأسها حين الغضب.
كانت لديها حكايات وقصص كثيرة وطويلة، وتحب أن تسردها، مرات تنسى بعضها، مرات تغير نهاياتها، ومرات تعاودها بأبطال جدد وأماكن مختلفة، وكثيراً ما تدفع بحضورها في ذلك السرد الممتع الذي لا يخلو من بسمة وضحكة من الناس.
كانت تلك المرأة المرشحة لأن تكون مثل الجدة منذ صغر سنها، وتعملق جسدها الذي كان يرعى الصواني من غرف «الهنجرية» والقصور، لقد عاشت طولاً وعرضاً كما تشتهي أو كما صنعتها ظروف الحياة، لذا أحبت التفرد والتميز في وقت كان المجتمع يشبه بعضه، ويتكامل مع بعضه، فلا تفرق كثيراً بين الأشياء والناس، لكنها أرادت أن تكون كما تود، وأرادت أن تكون هي، واحدة من تلك النساء التي يمكن أن تقول حين تراها: إنها لا يمكن أن يستولي أو يحيط بها رجل، تشعرك أنها أكبر من ذلك؛ مثل عمة كبيرة، جدة لأكثر من سبعة بيوت، مرضعة لأطفال الحارة الغُبر، حارسة النساء في غياب الرجال باتجاه مغامراتهم نحو زرقة البحر ورزقه، أي شيء شبيه بذلك، كانت تلك المرأة مثل تمثال أسطوريّ متحرك له ظلال من الخوف والرهبة، وكثير من الأمان، لذا كان لدوي غيابها ذلك الفراغ الذي هزّ أم سبع البلادين، وما زال لها ذاك الصدى الذي يمكن أن يحضره ثقل شجرة «أبنوس» أو إيقاع طبول الساحل وزقر السواحلية.


