عند عتبة باب بيت الجيران تعثّر الصبي، فوقع، وتناثرت حبّات الُّلقيمات، على الرمل، ولم يبقَ في الصّحن الخزفي سوى خطوط رمادية بلون العسل، تزحف في قاع الصّحن، فاضطُرّ الصّبي إلى أن ينهض، ولما سالت بقعة رمادية على كفّه، أخذ لمضة، بإصبعه الصغيرة، وصار يلحس شفتيه، ودمعة عميقة ترجرجت في مقلتيه، خوفاً من العقاب، فقد حرصت أمه وهي تنشّف العَرَق عن وجنتيها، على أن يتحمل مسؤولية الصحن، وألا يعبث بالأمانة التي بين يديه، وظلّ الصّبي يفكر بكلام أمه، ويتوقع ما قد ينتظره من توبيخ، تأنيب، ولبث عند تلك العتبة الخشبية جامداً، واجماً، لا يدري ماذا يفعل إزاء الموقف الرهيب، ولسوء الحظ لم تتألق تلك السيدة أمامه كعادتها في كل مرة يأتي بطبق تفوح منه رائحة الطعام الذي تعالج فنياته الدقيقة أمه، ومن دون سواعد أخرى تتدخل للمساعدة. 
لم يَبِنْ لها ظلٌّ ولو حدث ذلك، فكانت بالتأكيد سوف تستغيث بأمّها التي سوف تتضامن مع الصبي، وسوف تمنع عنه أي شرّ يصدر من أمّه، ولم يسمع صوتاً، ولا همساً، ولا حركة نعال تضرب على الأرض الطينية في ذلك البيت القديم، فاضطُر إلى الاعتماد على إرادته، ولملم بعضه المشتّت وسار ناحية البيت، ولما وصل، قابلته أمه وهو قد تغيّر وجهه، وصارت سحنته مثل رغيف التنور البائت، وفهمت أمه الموضوع، ولكنها على غير ما توقع، تعاطفت معه، وطلبت منه الذهاب فوراً إلى دولاب الملابس، وتغيير ثيابه، ثم العودة، لتحمّله طبقاً جديداً يأخذه إلى نفس البيت الذي تحطّمت أمام عتبة بابه أعصابه، فرح الصبي، وشكر أمه على دماثتها وحُسن مزاجها، وعاد، وأخذ صحن اللقيمات، وسار به إلى ذلك البيت.عاد إلى البيت ودارت أفكاره في الزّقاق الرملي، وصار الصبي يتبع خُطى خيال جم، ارتكب ورطة سحرية، حين تمسّك بتلابيب قلب لم يزل غضّاً.
عاد إلى البيت وقد أشرقت وجنتاه بضوضاء وضوء مشاعر، لأول مرة في حياته، تبدو الحياة أمامه أنها مرهونة بشخص آخر، لأول مرة يدرك أن وجود النساء في الحياة، ليس للطبخ، والاهتمام بالأبناء، بل هناك ما يشعل أفنية القلوب بأشواق تتدفق من أعماق البئر. استتبّ أمره لما لمس ابتسامة تتقطّر من خدي أمه، يغسلها عرق التنور، وراح يتأمل وجهها، ويتساءل: يا تُرى هل يقفز قلب أبي عندما تبتسم أمي.