ما أحوج إيطاليا إلى مبدعيها، بخاصة منهم، أولئك الذين تعمّقوا في سراديب الألم ليصنعوا قبساً من نور ينفّس الكرب ويطهّر النفوس من الوجع ببلسم الكلمات، لكي يعبروا بها نهر الألم الذي تعمّق ليلة الثلاثاء الأخير ومنتخب «الأزوري» يتحطم مجدداً على جدار التصفيات، ويعلن فينا جميعاً غيابه عن نهائيات كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي.
من «الكوميديا الإلهية» لدانتي، التي كانت أجمل صياغة للألم الدفين، إلى «التراجيديا المونديالية»، التي كانت امتداداً لظُلمة تعيش فيها الكرة الإيطالية، تعاقبت فصول الندم، وأطبقت على إيطاليا ظُلمة الدّرب العسير.
لم ينجح منتخب النجمات المونديالية الأربع، في أن يؤمّن تأهُّلاً مباشراً لكأس العالم 2026، فأُحيل على الملحق الأوروبي، الذي دخله مرتبكاً ومذعوراً، وتحت وطأة الخوف المبالغ فيه من السقوط مجدداً في حبال الإقصاء، جنى منتخب إيطاليا على نفسه وهو يواجه في الفصل الأخير من الملحق منتخب البوسنة والهرسك، وما جنى عليه أحد، فما أبصر النور بعد المعاناة، وما تطهّر من النقائص والآثام التكتيكية التي أحاطت به من كل جانب، فكان الغياب الثالث على التوالي من مونديال سادة العالم، تعبيراً عن تصدُّع الهوية، فما عاد هذا الأزرق العالمي، على حدّ تعبير الشاعر الإيطالي دانتي، قادراً على تحديد من هو؟ وما كان تاريخه؟ وما سرّ هذا العالم المحيط به والمليء بالمتناقضات والأقنعة؟
كانت الليلة رحلة أخرى أخذت الكرة الإيطالية إلى المجهول، ما نفعها سعار مدربها جاتوزو رمز آخر الأجيال المحترمة في الكرة الإيطالية، وما نفعتها الاستغاثة بروح «الكاتناشبيو»، فقد صدر الحكم الذي لا نقض بعده، من أن الكرة الإيطالية تعيش ثلاثية الفشل المُفضي إلى الوجع المستدام، تراجع منظومة التكوين، فقر فظيع في الموهبة وتخبُّط إداري وفني متلازم.
وصفت صحيفة «لاجازيتا ديللو سبوت» الإيطالية ما حدث بـ «أكبر مأساة في كرة القدم العالمية»، مضيفة أن إقصاء الأزوري كان بمثابة زلزال قوي، «ليكيب» الفرنسية اعتبرت ما حدث، على أنه «انهيار جديد لعملاق أوروبي»، واعتبرت أن سقوط بطل العالم سنة 2006، أكبر من مجرد أزمة نتائج.
«ماركا» الإسبانية قالت إنها دراما كروية جديدة، فيما وصفت «أس» الخسارة بأنها إعلان عن أكبر الانهيارات التي شهدتها الكرة الأوروبية، فيما كانت الصحف البريطانية أكثر قساوة، عندما وصفت الإقصاء بـ«الكارثة التاريخية»، وأن تكرار الفشل يكشف «خللاً بنيوياً» داخل الكرة الإيطالية، وليس مجرد سوء حظ.
آخر الكلام: كنتُ أظن أن الغياب مجرّد تجربة، وأن العودة ممكنة متى شئت، لكنني لم أفهم أن بعض الرحيل نهائي، وأن بعض المنتخبات حين تنكسر لا تعود كما كانت أبداً.


