لأنها مدينة استثنائية، تطل من علو على الأشياء، أطلق عليها الناس طنجة العالية، ولأن البحر الأبيض المتوسط جناحها الأيمن والمحيط الأطلسي جناحها الشمال، فهي تطير بجناحي ذاك الطائر الفينيقي الخرافي سعيدة بفرحها، منبثقة من رماد حزنها، باتجاه الجهات الأربع، هكذا هي المدن التاريخية التي لا تتعب من الحياة، ولا من العمل، ولا من الابتكار للاتصال بالآخر، هكذا هي طنجة مدينة ابن بطوطة، وهي على شاكلته أو هو يشبهها، سعى وراء شغفه للاتصال بالشعوب واكتشاف دهشة الأماكن، في حين هي فتحت حضنها لاستقبال القادمين لها بالخير والحب وإضفاء الجمال.
تعد طنجة الواقعة في أقصى شمال المغرب، واحدة من أجمل المدن التاريخية والثقافية في المنطقة، منحها ذلك المكان المميز بين جبل طارق والمحيط الأطلسي موقعاً استراتيجياً فريداً، حيث تجتمع الثقافات المختلفة وتتداخل عبر القرون من التعايش والتسامح والألفة بين المختلفين دينياً وثقافياً واجتماعياً، إنها مدينةٌ تحمل بين طياتها عبق التاريخ وجمال الطبيعة، وود الناس ومحبتهم وانفتاحهم، مما جعلها نقطة التقاء حضارات وثقافات وشعوب، الأمر الذي أعطاها بُعداً عالمياً، وأفقاً لا حدود له.
تأسست طنجة في العصور القديمة، وكان لها دور بارز على مر التاريخ كحلقة وصل بين أفريقيا وأوروبا. شهدت المدينة احتلالات متعاقبة من قبل الفينيقيين الذين يقال أنهم أعطوها اسمها الأول «تانجيس» (Tinge)، حيث كانت طنجة مستوطنة تجارية مهمة لهم، لأسباب تعود إلى الوجود الثقافي الفينيقي في كل منطقة شمال أفريقيا، والذي أثّر في تسميات العديد من المدن، خاصة تونس والجزائر وليبيا.
هناك نظريات أخرى تشير إلى أن الاسم قد يكون مرتبطاً بثقافات أخرى، مثل الثقافة الأمازيغية من «تانجا» (Tanga) التي تعني «الزاوية» أو «الطرف»، وهذا يشير إلى موقع المدينة الجغرافي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
بينما يرجح البعض أن أصل التسمية يعود للرومان الذين جاءوا إليها في القرن الأول الميلادي، حيث كانت تعرف المدينة بأسماء مختلفة، مثل «Tintagel»، مما يعكس التأثيرات الثقافية لتلك الفترة التي أصبحت المدينة فيها جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، وازدهرت من خلال التجارة والزراعة، وشهدت توافد الثقافات المختلفة، وقد ترك الرومان آثاراً معمارية لا تزال موجودة حتى اليوم، مثل بقايا الدور والمعابد.
وصولاً إلى العرب الذين قدموا في القرن السابع الميلادي، حينها دخلت طنجة فترة جديدة من التأثيرات الثقافية والدينية المتنوعة بما كانت تحمله الحضارة العربية والإسلامية من تأثيرات مختلفة ومتنوعة من نتاج وتلاقح حضارات فارسية ويونانية وشعوب وسط آسيا، مروراً بحضارتهم في الأندلس، حتى أصبحت المدينة مركزاً مهماً للعلوم الطبيعية والدينية والتبادل التجاري، وميناء يمد الشاطئ الآخر في جهة أوروبا، واستمرت في النمو كعاصمة سياسية وثقافية مهمة على الشاطئ المغاربي، لكن تبقى أصول اسم طنجة موضع نقاش بين المؤرخين، لكنه يعكس تاريخ المدينة الغني بالعديد من الثقافات التي تعاقبت عليها عبر القرون..
وغداً نكمل


