شخصيات تغيب ولا تغيب مثل الشمس، لأنها حاضرة في الوجود، لأنها سامقة مثل نخلة في رأس الخيمة رعاها وسقاها، واعتنى بجذرها وجزعها، ولامستها يداه الكريمتان المغفور له محمد إبراهيم السامان، واليوم ونحن نودع أخاه ذلك الرجل الأخلاقي بامتياز، سالم إبراهيم السامان، رجل الزمن الأجمل والأكمل، والأشمل في طياته ومعطياته، اليوم نودع سالم السامان، فتفارق الإمارات رجلاً من رجالات الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيّب الله ثراه، ويشعر الإنسان أنه كلما يغيب رجل ممن وضعهم الشيخ زايد على يمينه، وكأنه يفقد ما يفقده النخيل من ثمرات.
كان الرجل، رحمه الله، من جلاس مجلس معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، ذلك المجلس العامر بوجوه لها سماحة الأقمار وضوءها، وكنت في إحدى زياراتي للمجلس، وقد سنحت لي الفرصة أن أجلس قريباً من المرحوم سالم السامان، وكنت في البدء متحفظاً في كلامي لأن اللقاء كان الأول، ولكني ما أن وضعت رحالي حتى التفت إليّ المرحوم، وكانت ابتسامته الشفيفة تسبق كلماته، وسألني عني وعن أهلي، ودار الحديث حول مختلف الأمور، الثقافية والاجتماعية، وفهمت من كلامه أن الرجل تاجر بعبق ثقافي رهيف منيف، فانفتحت نفسي لسماع نشيده وما يسبكه من حديث حول الزمان «الأولي»، وبعد أن استكمل حديثه عن المكان والزمان، أدار وجهه نحوي بكامل استدارته، وقال لي شاكراً أشكر لك تفضلك بالكتابة عن أخي، وقليل من الناس هذه الأيام يتذكرون الراحلين من أبناء البلد، وهذا شيء جميل فعلته يا علي، فأجبت منفعلاً: لا يا طويل العمر، لم أفعل غير الواجب، فأنا ربما لم تسنح لي الفرص في التعرف إليك منذ زمن، ولكن المرحوم محمد السامان، كنت في أيام الصيف على صلة دائمة به، وكان اللقاء دوماً في محيط مزرعة النخيل العامرة، وكان الرجل، رحمة الله عليه، دائم المتابعة والملاحظة، والاهتمام بنخيله. كان سالم السامان يجلس، وعيناه لا تفارقان عيني، وكنت على يقين أنه يبحث في عيني عن جملة قديمة كان يقولها سكان هذا الوطن، (يا رعى الله أيام زمان) وبالفعل كنت أحس أنه يبحث عن زمن ربما تولت ساعاته، ولكن أثره الطيب لم يزل كامناً في وجدان عشاق الحياة، وسالم السامان كان عاشقاً للحياة، بما يبديه من حديث ودي عن الزمن والوطن والناس، في جلسة قصيرة، استطاع، رحمه الله، أن يسرد قصصاً عن قديم الزمن، وجمال الوطن. ولا شك أن رحيل سالم السامان سوف يترك فجوة واسعة في الذاكرة الإماراتية، وأتمنى من المؤسسات الثقافية أن تفرد مكاناً ملائماً لمثل هذه الشخصيات، ويتم تأليف كتب عن سيرة حياة هؤلاء الذين حفروا في الصخر، حتى أمسكوا بزمام المال والأعمال، إنهم تعبوا وسهروا فنالوا، وواجب الآخرين اليوم تقدير هذا العطاء.


