حينما كنا في الصغر، كنا نهوى السينما الهندية المتوفرة بكثرة في ذلك الوقت، وكنا نعجب بالممثلين الهنود، ونقلدهم في لبسهم، خاصة البنطلون الأبيض، ووضع المشط في الجيب الخلفي للبنطلون، ومشطة شعرهم، والفرق على «قتر»، ونتسمى بأسمائهم، يعني جهل ما بعده جهل، طبعاً الممثلون الهنود على وقتنا، هم اليوم بعضهم عظامه مكاحل، مثل«داراسنك» وبعضهم انتفخ مثل «شامي كبور وأخيه شاشي كبور» حتى أن هذا الأخير حين رأيته آخر مرة في القاهرة قبل سنوات، ولم أعرفه، ولم أصدق عيني أن الزمن يمكن أن يضيف كل هذه الكيلوغرامات، وهذا العجز والتكرش، على شخص كان في منتهى الرشاقة، وبعضهم الآخر ما زال يعيش على أنغام زمنه القديم، لم يبق منهم في الساحة اليوم إلا «دهرميندرا» الذي توفى قبل أشهر، و«اميتاب باتشان» الذي يرقد في المستشفى، بعدما ودعنا قبل سنوات الكثير منهم مثل «فيروز خان».
«دهرميندرا» هو الممثل الذي كنت أشجعه، وأحب أفلامه، وأتسمى باسمه أيام تلك الأوقات الجميلة والملونة، بالطبع حينما كبرت التقيته كثيراً، ورافقته في تصوير بعض المشاهد السينمائية، وجاء إلى الإمارات كثيراً، تزوج أكثر من مرة، وأنجب، وأولاده من ضمن المشاهير السينمائيين، وضمن العمل الإنتاجي في بوليوود، لقد زاد وزنه قليلاً، وأصبح تمثيله اليوم أفضل، لكنني ما زلت أحرص على مشاهدة أفلامه، من باب الحنين لأيام سينما المارية والفردوس والخضراء.
المهم ليست هنا القصة، القصة في تلك الأيام الجميلة والملونة، كان هناك واحد من رفاق زمان، وكان يحب السينما الهندية أكثر منا، ويقرأ مجلات النجوم بالأوردو، وأتقن قراءتها، وكتابتها بشكل مذهل، في حين أن رفيقه الآخر الذي من العين كان يعتزي من رمسة الهنود، وتم على حاله يفرح بتلك الترجمة السريعة التي لا يقدر أن يقرأها كاملة.
صاحبنا قرر في يوم من أيام الصيف، وحين طرّ شاربه أن يغامر، ويذهب إلى «بومبي» وهو اسمها القديم، والذي أحبه أكثر من اسمها الجديد «مومبي»، لم يكن صاحبنا هدفه السياحة، بقدر ما كانت رغبته العارمة في رؤية الممثلين الذين يحبهم، ويعشق التصوير معهم، وقبل أن يذهب تشرى «بناطلين كاوبوي- جينز- وأحذية أم بوز طويل، وكعب عالي» وأحزمة جلدية عرض الواحد شبراً، وقمصان مزررة، وضبّط «الكشه» الخنافس وغاب، بعد أن أعطاه كل شخص منا رسالة وصورة شمسية يبدو فيها الواحد منا مبتسماً، أو يضع يده تحت ذقنه، قال يعني يفكر أو يتأمل كثيراً، ليعطيها إلى ممثله، وسَمّيه المحبوب، ويقول له إن هناك واحداً من معجبينك.
حين عاد كنا نعتقد أنه سيرجع أبيض، وأنظف، لكنه عاد «أغبر وأحَلَيّ» فتعجبنا كيف لم تغيره بمبي، وتعجبنا أكثر من حديثه السينمائي الذي لم يكن متطابقاً دائماً، وأكثر ما أدهشنا الصور التي جلبها من بومبي مع هذا الممثل، وتلك الممثلة، وكلهم نعرفهم، ونحبهم، حتى أولئك الذين يمثلون دور الحرامي مثل «بران»، كما حمل لنا صور ممثلينا وعليها تواقيعهم، وفي خلف الصورة مكتوب إلى ناصر مع التحية مثلاً.. ففرحنا يومها.
لكن ما أدهشنا حقاً وشككنا صورة ربيعنا الذي نعرفه، ومب ذاك الزود،وهو متصور مع الممثلات، فحسدناه من كل خواطرنا، وتمنينا لو كان كاذباً هذه المرة.
وذات يوم مر بنا أحد الشواب، وسمعه يهلّ ما في رأسه فقال: «لا تسمعون خريط ولد سالمين، لو سار بومبي جان رد يصلق، مب.. راد أملح، تقول ما فارق أمه شويخ، سئلوه جان يعرف فارس رود هالخمام، وإلا شارع محمد علي، وإلا دكان رشيد».
في الصيف الثاني قررنا الذهاب إلى بومبي والتصوير مع الممثلين، فقضينا صيفاً جميلاً وممتعاً، لكننا اكتشفنا أن صاحبنا لا يعرف من بومبي شيئاً، وصيفه الماضي ما سار فيه أبعد من الباطنة، وقضاه كله في استوديو مصور فاتح جديد، كانت مهمته الأساسية تركيب صورة ولد «سالمين وشويخ» مع الممثلين والممثلات، فبان خaريطه، خاصة عن الممثلات اللي «ما خلّى وحدة.. ما لوى عليها، ولا وحدة ما قال عنها أنها تفدّته، ونحن صدقناه بحسد»!