- آه.. يا لها من صباحات لا تنسى، صباحات بيروت التي ما أن تتعافى، حتى يأتي من يرميها بشرر، صباحات من ود وورد وحب، صباحات لو بقيت تلك الصباحات:
- صباح الصديقة التي ما برحت تشتكي من ضيق النَفَس، ومن زحمة بيروت، و«عجئة» شارع الحمرا، ومن حر الصيف، ورطوبة بحر بيروت، ومن «هالمواطن اللي غير شكل»، تظل تنفخ بالونات في الهواء لترتاح من ضيق المكاتب، ويعتدل إيقاع يومها، باتجاه بيروت التي تحب، وقهوتها المفضلة، وترانيم فيروز، متمنية ليت يومها يطول بلا ضجيج، ولا ضجر.
- صباح الضيق حين يعرف الأصحاب أنك «مودعاً» بيروت، وصباح من فرح وألق حين يعلمون أن وجهتك من بيروت باريس، يحمّلونك قهوة طازجة إلى صديق يحنّ لقهوة أمه أو بطحة من عنبهم إلى مهاجر متعب ويريد أن يجرّ «العتابا» في شرفته الفقيرة مساء، يحمّلونك حلوى ومكسرات من نكهة بيروت، متوقعين أن ترد عطوراً وملابس جديدة، وصرعة من صرعات باريس التي «هي غير شكل»، حتى أن لوقع باريس في نفس اللبناني مساحة من الفرح، وغوايات شتى.
- صباح الوصايا البريئة كرائحة زهرة جبلية، تلك التي تطلب منك أن تهتم بالأصدقاء والصديقات، فيكون القلب لهم متسعاً، والبيت المطل على نهر السين ملجأ ومتكأ، تمنيت لو بقيت في تلك المدينة الجميلة باريس، سفيراً فوق العادة لكل الجاليات البعيدة والقريبة، مستنداً إلى نهر من الخير، تمد جناحين من ود صوفي، وتجل معرفي، واحداً نحو قمم الأطلس شمالاً، وآخر صوب جبل لبنان، تمارس إنسانية تحبها، وتدخل كل ريح السعادة لقلبك الأخضر دوماً، لا تطيق دمعة من عين كسيرة أو ترى تهدلاً في كتف أنثى لا يليق بها الخذلان، تمنيت لو ظللت مثل «شيخ الحومة» أو «عمدة المدينة»، يشتط إن كحّت ليلى أو شكت من الأوجاع أخواتها هند أو دعد، لتتداعى الروح والجسد عليهن بالسهر والحمى كأجمل أصدقاء باريس وداً ووفاء.
- لكن اليوم.. وحين تتذكر كل تلك الأشياء الجميلة بتفاصيل ناسها، وبطيبة القلوب، وعفوية اللقاءات أو تورد هي على الرأس هكذا فجأة، تتذكر صبح بيروت الذي وصلته لثاني مرة فجأة في نهاية الحرب، وكنت لا تعرف أحداً، غير الحب الذي يملأ قلبك، وتلك الدهشة التي تسيّر خطواتك، ورسائل معطرة يأتي بها بريد متكاسل أو تأتي مندسة في كتاب حمله صديق من بيروت ولا يدري عنها، وعن عطرها، في تلك الرحلة الثانية تحولت أشياء بيروت المتداعية إلى شيء جميل مسكنه الصدر، ورغم الغبار، وتلك الثقوب التي في النفوس وفي الجدران، لكنك تذكرت بيروت في عمرها الفتي حين تكحلت بها عيناك الصغيرة مرة، ولم تقدر أن تنساها، ولا هي غادرت ذاكرتك أبداً، جاعلاً منها ملاذاً لطائر يحب الحوم!