ارتبطت الرسائل على مدى التاريخ بالأشواق التي تتهلل توقاً للوصول، وكانت التعبير الأزلي عن رحلة السفر البعيد الذي كان يربط أبناء الإمارات بالآخر، والرسائل هي حبل الوصل الذي مبعثه الحنين، وسره خيل القلوب التي تمتطي صهوة الوعي على تلال كلمات.
كانت تمضي في حياة الناس إلى عوالم تشبه السرمد، كأنها الإثمد في المقل، وفي ثنايا الرموش تتصلب دمعات، هيبتها مسافات السفر، وجغرافيا خطوط الطول والعرض لقلوب هدها الغياب، وسد مرافق وصلها رهط العازة. كان للرسائل شيء ما يشبه الطمأنينة، وشيء ما يحسب حساب الزمن للقاء بعد فراق، أو أنه هجران بعده عناق، أو أنه نسيان يليه وفاق لا انشقاق.
وهكذا سارت جدوال الرسائل، محتدمة في الوصول، مفعمة بالأصول، والنوايا تشيع الأفئدة ما تحتمله، وما تحتمله. 
في الزمان القديم كان كاتب الرسائل في القرية فيلسوفاً عظيماً، وسارد قصة نساء مولعات، يشدهن الحنين إلى الغالي الثمين، إلى بعل ترك الديار لأجل لقمة مفقودة، هناك بنى عشه لعله يأتي بالخير الوفير لمن تركها تهيم بين صور الأحلام وخيال فج أنعم الله عليه بسعة المخيلة، ورهافة الثوب الحرير. في الزمان القديم كان كاتب الرسائل «لابتوب» بأنامل مخملية، ومشاعر فضية، بلون الدماء التي تسري في عروق من جاشت به المشاعر، استصعب على الكلمات أن تفشي أسرارها إلا بقلم سائل حبره الأزرق، يلوِّن الوجود بفرحة العودة، عودة الغائب، والظفر بما تم انتظاره، وتخيله بعين تحت جفنها تتسرب مياه الملح في دمعة غراء، لها في الحياة، سر التوق، وسبر الحدق السارد والشارد. 
في أتون لها طبع الركاب إذا فرت من قسورة، وطبيعة الأعشاب إذا رياح عاتية، ونقرأ الرسائل نشعر أننا نحاكي منا في عفويته بياض المراحل، وفي فطرته تنتعش أحلام هي الأجمل. في الحياة، عندما تكون تحت الجفون مثل يرقة فراشة تحتفي بالوجود، منتسبة إلى عالم الجمال، رضية، بهية، وعندما نقرأ الرسائل، نتذكر حلم الفرسان، بأن يكون للخيل المسومة كلمة ولسان، ويكون للقصيدة يد تمسح على الكلمات، تهدهد خصالها، كي تمضي بعيداً في بعث رسائل الشوق، وما خفى في الضامر، وما أبقى على خصلات القصيدة، من دهشة تسر الناظرين، وما أبقى على الشاعر، من عبقرية تتجاوز حدود المكان، ودقائق الزمان، ونحن القراء نقول شكراً لمن أجاد، وجوّد، وجدد في حياتنا طعم الكلمات وهي تسري في دماء الرسائل، كأنها الأجنة في الأرحام نقول، والشكر موصول لقصيدة علمتنا كيف يكون النبض لحناً، واللحن رفرفة، والرفرفة جناح لموجة تلونه ببياضها، كما تبيض القصيدة حين تنبثق من ضمير شاعر، له في الشعر علامة الامتياز، له في السرد لغة كأنها الجدول، له في الحكاية قصة ما خطرت إلا على الوردة، حين توشوش في أسماع الفراشات، تبلغهم السلام من لدن حكيم.