يغلب الحديث عن «حصرية السلاح» على كل محاولات استعادة الدولة سلطتَها وسيادتَها في العديد من بلدان الشرق الأوسط. ومع وجود خصوصية لكل حالٍ في هذه الدولة أو تلك، فإن المبدأ واضح ويصعب نقضه أو رفضه، لأن أي مجموعة حملت السلاح وجرّبت إلغاء الدولة للحلول محلّها، ما لبثت أن اكتشفت أوهامَ مسعاها. ففي لحظة تاريخية معينة، وبتحالفات داخلية وخارجية مشتبهٍ بها، قد تتمكّن جماعة ما من تحقيق السيطرة والاستقواء، غير أن طموح التحوّل من «جماعة متمرّدة» و«خارج الدولة» إلى الدولة نفسها يبقى فوق قدراتها، إذ لا تستطيع فرض نفسها على عموم الشعب أو الحصول على قبول إقليمي ودولي. وعندما تصل هذه الجماعة إلى حتمية حسم أمرها تبدأ بالمساومة ومطالبة الدولة بامتيازات لقاءَ التخلّي عن سلاحها، لكن أيّ تنازل تحصل عليه سيكون بالضرورة على حساب الدولة والمجتمع.
يُلفت الحدث السوري، كما الليبي واليمني قبله، وكذلك اللبناني، إلى أن الاضطرابات التي مرّت بها هذه البلدان كانت نتيجة اختلالات شابت تأسيس «الدولة» واستمرّت مع أخطاء رافقت إنشاء «المؤسسات» التابعة لها، لكنها تفاقمت بفعل ممارسات خاطئة ومنحرفة في تطبيق القانون، مما أشاع عدم المساواة في المواطنة بين الأفراد، والتمييز بين الفئات الاجتماعية حتى في أبسط حقوقها. هذه الأسباب وغيرها قادت إلى الاضطرابات التي أضعفت الأنظمةَ أو قوّضتها، لكن الأسوأ أنها أسقطت معها هيكل «الدولة» التي كانت بحاجة إلى إصلاحٍ وتصويبٍ لمسارها فأصبح مطلوباً أن يُعاد تأسيسها وسط انكشافٍ للانقسامات في صفوف الشعب، وفورانٍ غير مسبوق للانتماءات والهويّات الدينية والمذهبية والعرقية وغيرها. وإذا كانت الأنظمة السابقة توصلت بأساليب شتى، عشوائية على الأغلب، إلى إقامة نوع من «الاستقرار السياسي» القائم على الشدّة تجاه أي تجمعات مطلبية ذات عصبية، فإن «الاستقرار الاقتصادي» الذي كانت تدّعيه لم يتصدَّ لمشاكل الفقر ولم يُبنَ على إدارة رشيدة للموارد وتعميم واعٍ للتنمية.
كلّ ذلك أدى في لحظة التحوّلات إلى استشراء ظواهر التسلح وعقلية الميليشيا، وأتاحت الشروخُ الداخليةُ المفتوحةُ مساربَ لتدخلات خارجية متوقّعة، طالما أن الأوضاع الناشئة تتيح الاستثمارَ في الانقسامات والعصبيات وفرصاً للنفوذ والمصالح. غير أن الدول المتدخلة لا تستطيع الركون إلى أوضاع ميليشياوية مديدة، كما أن تطوّر الشعور بالقوة والاعتماد على الدعم الخارجي يدفعان بالميليشيات نفسها إلى التفكير في نقل تجربتها إلى مصاف الدولة. في العراق تكوّنت دولة بعد سقوط النظام السابق ووجدت الميليشيات صيغةً للحصول على موارد بتشكيل ائتلاف يدير تلك الدولة، وللحفاظ على وجودها ومكاسبها رضخت ظاهرياً لطلب «حصرية السلاح». وفي لبنان اخترقت الميليشيا الدولة وتجاوزتها بالذهاب إلى حرب غير متكافئة ضد إسرائيل، فحصدت دماراً هائلاً وهزيمةً، لكنها لا تعترف بالواقع وتفضل مواجهة الدولة برفض تسليم سلاحها. أما في سوريا فسقط جيش الدولة مع النظام السابق ودمّرت إسرائيلُ معظم القدرات الدفاعية، ووجد الحكمُ الجديد نفسَه أمام تحديات كبيرة في إعادة توحيد سوريا والسوريين، كما في إعادة تأسيس الدولة.
في كل الأحوال، لم يستطع السلاح المنفلت أن يؤسس للاستقرار في أي بلد، والأمثلة كثيرة في بلدان غير عربية. ومهما قويت الميليشيا وحظيت بدعم خارجي، فإنها لن تتمتع بالشرعية ولا بالاعتراف الدولي، وعند أي تغيير في السياسات الإقليمية أو الدولية تجد نفسَها أمام استحقاقِ حلِّ نفسِها، والمثال الأحدث يوفّره «حزب العمال الكردستاني» بعد أربعة عقود من القتال ضد الدولة التركية.
*كاتب ومحلل سياسي - لندن


