شهد البريطانيون منذ أيام تنصيب آندي بيرنهام، المنتمي إلى حزب «العمال»، كرئيس الوزراء السابع لبلادهم خلال عقد واحد. وهو أول رئيس وزراء بريطاني يهاجم إرث مارجريت تاتشر، رئيسة الوزراء المحافظة بين عامي 1979 و1990، من دون أي تحفظ.
ويقول بيرنهام، البالغ من العمر 56 عاماً، إن تاتشر أطلقت «40 عاماً من الليبرالية الجديدة»، منتقداً «مركزية السلطة السياسية وخصخصة السلطة الاقتصادية» في ثمانينيات القرن الماضي، وما شهدته البلاد من تراجع التصنيع، مدعياً أنه يقدم نهجاً مختلفاً يجعل السياسة «أكثر تعاوناً».
قد يبدو ذلك مفاجئاً، حيث لم يصرح أي من رؤساء الوزراء بذلك خلال السنوات الـ36 التي تلت مغادرة تاتشر منصبها، رغم حكم حزب «العمال» بريطانيا لمدة 15 عاماً، فلماذا ترددت تلك الحكومات اليسارية الوسطية في مهاجمة من تُعتبر رمزاً لليمين؟. يكمن الجواب في أن توني بلير، الذي قاد حزب «العمال» لعشر سنوات، كان يعتقد أن على حزبه إدراك نجاحها الاقتصادي والانتخابي ليُصبح منافساً جديراً لحزب «المحافظين».
ومن خلال تقدير إنجازات تاتشر واستيعابها، كان بإمكان حزب العمال الوصول إلى السلطة، وربما كان بلير مُحقاً، فهو أيضاً فاز ثلاث مرات متتالية. لكن التحدي أمام بيرنهام هو إنعاش الاقتصاد بسياسات مناهضة لنهج تاتشر. فخلال حكمها، تجاوز النمو السنوي 3% ووصل إلى 5% عام 1988، واستمر النجاح الاقتصادي في ظل حكومات تبنت سياساتها إلى حد كبير حتى الأزمة المالية في 2008-2009. ولم تستخدم تاتشر قط، بل ربما لم تسمع قط، بمصطلح «الليبرالية الجديدة»، بل كانت ترى أنها تحرر الشعب البريطاني من قيود الحكومة.
لكن هذا النجاح لم يدم طويلاً. ومنذ الأزمة المالية، أشرفت حكومات أكثر مديونية وتدخلاً في الاقتصاد على نمو ضعيف، إذ يُتوقع أن يبلغ النمو هذا العام 0.9%، مقابل دين حكومي كان يعادل 28% من الناتج المحلي الإجمالي في آخر عام من حكم تاتشر، مقارنة بـ94.9% اليوم. وينتقد بيرنهام أيضاً الخصخصة، وهي إحدى السياسات التي ابتكرتها تاتشر. ورغم المشكلات التي ظهرت في بعض المرافق الاحتكارية، خاصة قطاع المياه، نجحت تاتشر في خصخصة أكثر من 40 شركة في قطاعات الاتصالات والطيران والموانئ والغاز، وحققت إيرادات كبيرة للخزانة، ووسعت ملكية الأسهم، وعززت المنافسة في معظم الحالات. وتم تقليد نهجها في أنحاء العالم، ونادراً ما أُلغيت عمليات الخصخصة منذ ذلك الحين.
وبدا صعود التاتشرية، الذي انعكس كثيراً على صعود صديقها رونالد ريغان خلال فترتي رئاسته، حتى في نظر العديد من منتقديها، وكأنه كان مستحقاً.
أما بيرنهام، فيحاول طمأنة أسواق السندات إلى التزامه بالقواعد المالية، وفي الوقت نفسه مواجهة تكاليف المعيشة بالتدخل الحكومي. فألغى مؤقتاً ضريبة الشراء على استهلاك الكهرباء، ووضع سقفاً لأسعار تذاكر الحافلات، وهي إجراءات قد تخفض معدل التضخم المعلن، لكنها لا تعالج العجز أو الضغوط التضخمية الأساسية. وبصفته عمدة سابقاً لمانشستر الكبرى، روج بيرنهام لمصطلح «المانشسترية»، الذي يدعو إلى تعاون أوثق بين الحكومة والاستثمار الخاص، وينتقد المركزية المفرطة في إدارة البلاد. ويتعهد بإنشاء نسخة من مقر رئاسة الوزراء في مانشستر، لكن من الصعب رؤية كيف يمكن لهذه الخطوة أن تحقق تحولاً اقتصادياً حقيقياً. ويحتاج بيرنهام في النهاية إلى رؤية متماسكة لكيفية تحقيق الازدهار في الاقتصاد الحديث.
*عضو مجلس اللوردات، هو كاتب السيرة الذاتية المعتمد لمارجريت تاتشر.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


