في ظل التوترات «الجيوسياسية» المتصاعدة، والحروب، والعقوبات، وتجميد بعض الأصول السيادية، والمخاوف من استخدام الاحتياطيات كسلاح في الصراعات الدولية، برزت ظاهرة جديدة بانتقال إدارة الذهب من مفهوم «الاحتياطي النقدي» إلى مفهوم «الاحتياطي الاستراتيجي»، القابل للحماية والسيطرة والسيولة. لقد ارتبط تخزين الذهب الرسمي العالمي، لسنوات طويلة، وبصورة أساسية بمراكز مالية غربية، لكن يبدو أن التطورات «الجيوسياسية» المتصاعدة غيّرت الحسابات. فإذا كان الذهب موجوداً في دولة من الدول أو مؤسسة مالية تقع ضمن نفوذ دولة أخرى، فإن امتلاكه مادياً لا يعني بالضرورة امتلاك حرية الوصول إليه أو نقله أو استخدامه في كل الظروف.
وفي هذا السياق، تبرز كمثال واضح قضيةُ الذهب الفنزويلي المحتجز في بنك إنجلترا، واحتمال اتفاق لنقل ما قيمته نحو 4 مليارات دولار من هذا الذهب إلى الولايات المتحدة، بعد سنوات من النزاع حول السيطرة القانونية. وذلك لا يعني أن الذهب المخزّن في لندن أصبح غير آمن، لكن هذه القضية توضح للبنوك المركزية أن مكان التخزين والقانون الذي يخضع له الذهب، يمكن أن يصبحا عاملين سياسيين في ظروف استثنائية.
وقد أعادت الحروب والعقوبات تعريف مفهوم «الأصل الآمن». والمفارقة الأساسية أن الذهب يعتبر أصلاً آمناً، لأنه لا يمثل التزاماً مالياً على دولة أخرى، لكن ذلك لا يعني أن مكان تخزينه لا يكتسب أهميةً سياسيةً. فالدولة التي تملك 1000 طن من الذهب داخل أراضيها، تمتلك قدرةً مختلفة في التصرف باحتياطياتها عن دولة تملك الكمية نفسها، ولكنها موزعة في خزائن خارجية. ومن هنا أصبح تنويع مواقع التخزين جزءاً من استراتيجية إدارة الاحتياطيات الوطنية من الذهب.
ووفق دراسة حديثة للمجلس العالمي للذهب، بقي بنك إنجلترا الموقع الخارجي الأكثر تفضيلاً لتخزين الذهب، حيث اختاره 57 في المئة من المشاركين في الاستطلاع. وجاء التخزين المحلي في المرتبة الثانية بنسبة 49 في المئة، وقال 9 في المئة منهم إنهم زادوا التخزين المحلي خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، فيما قال 10 في المئة إنهم قاموا بتنويع مواقع التخزين الخارجية. وتبرز أهميةُ هذه الأرقام، كونها تشير إلى أن التحوّل لا يعني هجرة جماعية للذهب من لندن ونيويورك، بل يعني الانتقالَ تدريجياً من التركيز الجغرافي إلى التنويع الجغرافي.
ويلاحظ أن هولندا لم تنقل (في الفترة بين شهري مارس وأغسطس الماضيين) 86 طناً من ذهبها الموجود في نيويورك وأوتاوا، والبالغ 313 طناً، إلى لندن لأنها تحتاج إلى بيع هذه الكمية غداً، ولكن ما فعله المصرف المركزي الهولندي هو إعادة توزيع احتياطياته بين مراكز مختلفة، تحسباً لليوم الذي قد يصبح فيه الوصول إلى هذه الاحتياطيات، لا قيمتها فقط، جزءاً من المشكلة. وبعد هذه العملية انخفضت حصة نيويورك من الذهب الهولندي من 31.3 في المئة إلى 18.5 في المئة، بينما ارتفعت حصة لندن من 18.1 في المئة إلى 32.1 في المئة.
وهكذا، لم يعد «الذهب الآمن» يعني فقط ذلك الموجود في خزينة آمنة، بل يعني الذهب الموزع بين عدة خزائن ومراكز مالية وقوانين مختلفة. وبذلك يبرز نموذج جديد يمكن تسميته «التنويع الجغرافي للذهب»، أي أنه يمكن للدولة مالكة الذهب أن تحتفظ بجزء منه داخلها، للسيادة والسيطرة المباشرة، وجزء آخر في لندن للسيولة والتداول العالمي، وجزء ثالث في نيويورك للوصول إلى الأسواق العالمية، وجزء رابع في سويسرا وباقي أوروبا.. لتنويع المخاطر. وقد يظهر مستقبلاً جزء أكبر في آسيا، بسبب نمو أسواق الذهب الصينية والهندية والآسيوية الأخرى.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


