عند الشروع في وضع خطة كتابة هذه السلسلة من المقالات حول السياسة الخارجية الإيرانية، وتسطير الأفكار التي سيدور الحديث حولها كان الهدف هو الإدلاء بأفكار جديدة بغرض فهم هذه السياسة المربكة، التي كان حصادها المُر تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، هو تلقي لكم هائل من الاعتداءات الآثمة، من منطلق المفهوم القائم على فكرة «اعرف عدوك» قبل أن تقدم على اتخاذ أية خطوة تجاهه، سواء كانت إيجابية أم سلبية.
وفقاً لذلك، أهدف من خلال مجموعة من المقالات إلى سبر غور السياسة الخارجية الإيرانية منذ عام 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه السابق، ومنذ قيام النظام الحاكم الحالي.
النقاش يهدف إلى تقويم الأسس والمرتكزات التي تقوم عليها السياسة الخارجية الإيرانية ونمط المناهج والمبادئ والتوجهات التي وفقاً لها، والأهداف التي تسعى إلى الوصول إليها والمصالح التي ترغب في تحقيقها في مواجهة العالم الخارجي، وذلك بغرض رفع مستوى المعرفة الكلية الشاملة لما يفكر فيه ويمارسه نظام حكم مارق أثبت بأنه ذو نزعة عدوانية شديدة تجاه دول المجلس مجتمعة وفرادى، ومعرفة جوانب تمر بها ترسمها السياسة الخارجية الإيرانية.
وثمة تفاصيل دقيقة، قد لا يتسع المقام لطرحها، مرّت بها سياسات إيران الخارجية، ونحن على دراية بها بحكم التخصص العلمي والممارسة العملية - الوظيفية، والتي تخللتها مواجهة إيران لموجات من الحرب والسلام في منطقة الخليج العربي، ومع الرغبة في عدم الإمعان المدقع في استخدام المنهجية التاريخية في معالجة الموضوع تيقناً بأنه سيدخلنا في تشعبات فرعية وتفاصيل قد تبعدنا عن جوهر ما نود طرحه أمام القارئ بشكل مباشر ودقيق ومختصر، فنحن نسلك منهجاً مبسطاً يبتعد عن تحميل ذهن القارئ ما هو فوق طاقته بالابتعاد عن الدخول في تحليل وتفسير الكثير من الوقائع والتفاصيل، خاصة تلك التي ليس لها علاقة مباشرة بالغرض الأساسي من كتابة هذه المقالات وهو معرفة وتفسير عدو طارئ في سياسته الخارجية تجاه دول المجلس التي كانت تعتبره إلى ما قبل 28 فبراير 2026 مشروعاً يمكن أن يصبح ناجحاً لصديق محتمل يمكن أن تجمعها به حتمية الجوار الجغرافي الذي لا مفر منه.
طروحاتنا سيدور محورها حول أن إيران أصبحت دولة عدوانية في سياستها الخارجية منذ أن قامت الثورة فيها في عام 1979، وترسّخت هذه الحقيقة من خلال قيامها بالاعتداء على دول المجلس في 28 فبراير 2026، وبذلك فهي ليست دولة محبة للسلام والأمن في الخليج العربي، ولا تسعى إلى تحقيقهما بالطرق الممكنة والتنسيق والتعاون مع دول المجلس.
وفي سياق ما سنطرحه من أفكار سيتضح بأن إيران لا تتيح المجال أمام تواجد حلول سلمية واضحة ذات مصداقية وواقعية نتيجة لما قامت وتقوم به من أعمال عدائية. وهذه الحقيقة كافية لإعطاء انطباع قائم بعدم إمكانية إقامة إقليم خليجي عربي يعمه السلام، وبأن تفكير دول المجلس يسير بعكس ذلك، فهي دول مسالمة لديها قناعة بأن هذا الخليج العربي لديه أشياء كثيرة في إدارة علاقات الدول ببعضها بعضاً غير الحروب والاعتداءات الغاشمة.
دول المجلس تؤمن بوجود حلول سلمية لحل أزمة الصراع، وهذا مفهوم أكثر عمقاً وتجذراً في الذهنية العربية الخليجية كتراث فكري ومفاهيمي خالد، يختلف جذرياً عما هو موجود في الذهنية والثقافة الفارسية الميالة إلى العنف في حل الخلافات والصراعات مهما صغرت وقل شأنها وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي


