في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، لا يعود السؤال الأكثر إلحاحاً في الشرق الأوسط هو: متى تنتهي الحرب؟ بل: كيف يمكن بناء أمن مستدام بعد انتهائها؟ فمنطقة أنهكتها الصراعات، وتبدّلت فيها موازين القوى، وتشابكت فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والمعلوماتية، تحتاج إلى ما هو أبعد من ترتيبات مؤقتة لوقف إطلاق النار، تحتاج إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن نفسه.
وفي هذا السياق، يأتي مؤتمر «تريندز جلوبال» السنوي السادس، الذي يُعقَد في أبوظبي، في 12 أكتوبر 2026، تحت عنوان «الأمن المستدام: مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، ليطرح قضية تتجاوز اللحظة الراهنة إلى محاولة استشراف شكل المنطقة في السنوات المقبلة.
فالأمن المستدام لا يعني غياب الحرب فقط، ولا يُختزَل في القدرة على ردع الخصوم عسكريّاً فحسب، وإنّما يعني بناء بيئة سياسية واقتصادية وأمنية قادرة على امتصاص الأزمات، ومنع تحوّلها إلى صراعات مفتوحة. وهذا يتطلب إعادة التفكير في منظومة الأمن الإقليمي بأكملها، وفي طبيعة العلاقات بين دول المنطقة، والقوى الدولية الفاعلة فيها.
لقد أثبتت التحولات الأخيرة أن مفهوم القوة نفسه تغيّر. فالقوة العسكرية ما زالت عاملاً حاسماً، لكنها لم يَعُد وحدها قادرة على ضمان الأمن. فالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والمعلومات، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، أصبحت جميعها مكوّنات أساسية في معادلة الأمن الحديثة.
ولعل الأخطر أن الصراع لم يَعُد يجري دائماً في ميادين عسكرية واضحة. فالحرب على الرواية والمعلومة باتت جزءاً من الحرب نفسها، كما أصبحت القدرة على التأثير في الرأي العام، وإدارة الفضاء الرقمي، وحماية المجتمعات من التضليل والاستقطاب، عناصر لا تقلّ أهمية عن امتلاك السلاح التقليدي.
ومن هنا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدّد بما يحدُث في ساحات القتال فحسب، وإنّما بما سيأتي بعدها. فمرحلة ما بعد الحرب ستكون اختباراً حقيقيًاً لقدرة المنطقة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن ردود الفعل إلى الاستباق، ومن ترتيبات أمنية مؤقتة إلى منظومات أكثر استدامة.
كما أن الاقتصاد سيكون جزءاً مركزيّاً من هذه المعادلة. فأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية لم تَعُد قضية اقتصادية منفصلة عن الأمن السياسي والعسكري. فأيّ اضطراب في المنطقة يمكن أن يمتدّ تأثيره إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، وهو ما يجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة دولية لا تخصّ دول الشرق الأوسط وحدها.
وفي قلب هذه التحولات تبرُز مسألة الشراكات. فالمنطقة تتّجه نحو شبكة أكثر تعقيداً من العلاقات الدولية، تتداخل فيها المصالح العربية والأميركية والأوروبية والآسيوية، في ظل تغيُّر موازين القوى، وصعود أدوار جديدة. ولذلك، فإن الأمن المستدام لن يكون نتاج قوة منفردة، بل نتيجة قدرة الدول على بناء شراكات مرنة ومتوازنة تقوم على المصالح المشتركة، والقدرة على مواجهة المخاطر المتغيرة.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية النقاش حول «الشرق الأوسط ما بعد الحرب» تكمُن في أنه يفتح الباب أمام التفكير في المستقبل قبل أن تفرضه الأحداث. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بعد وقوع الأزمة فقط، بل يبدأ قبلها من خلال مؤسّسات أكثر قدرة، واقتصادات أكثر مرونة، ومجتمعات أكثر حصانة، وعلاقات إقليمية تقوم على الحوار وإدارة الخلافات.
إن التحدي الأكبر أمام الشرق الأوسط اليوم ليس منع حرب جديدة فحسب، وإنّما بناء شروط تجعل تكرار الحروب أقل احتمالاً. وهذا هو المعنى الأعمق للأمن المستدام: الانتقال من أمن يقوم على الخوف من الانفجار إلى أمن يقوم على القدرة على منع أسبابه.
فإذا كانت الحروب تُعيد رسم خرائط القوة، فإن مرحلة ما بعد الحرب هي التي تحدّد شكل النظام الجديد. وبينما تتغيّر التحالفات وتتبدّل أدوات الصراع وتتسارع التحولات الجيوسياسية، تبدو الحاجة مُلحّة إلى رؤية تتعامل مع الأمن باعتباره منظومة متكاملة، لا مجرد معادلة عسكرية.
ومن هنا، تأتي أهمية أن يكون الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط حديثاً عن الصمود قبل الردع، وعن التنمية قبل الأزمات، وعن الشراكات قبل الاستقطاب، وعن الاستباق قبل ردّ الفعل.
فالمستقبل الأكثر أمناً للمنطقة لن تصنعه نهاية الحرب وحدها، وإنّما القدرة على بناء ما بعدها.
*باحث رئيسي - مدير عام تريندز جلوبال- مجموعة «تريندز».