شهدت الحرب الروسية الأوكرانية في الآونة الأخيرة تصعيداً غير مسبوق، تمثّلت أهم مظاهره في الضربات الروسية للبنية التحتية للعاصمة الأوكرانية، واستهداف السفن التجارية الأجنبية وناقلات الحبوب في البحر الأسود، مما أدى إلى تراجع حاد لصادرات الحبوب الأوكرانية. وتقابل هذا ضرباتٌ أوكرانية في العمق الروسي لمسافات قياسية. كما دخلت المعاركَ أسلحةٌ جديدةّ، مثل المسيّرات الروسية النفّاثة الأسرع والأصعب في الاعتراض، وأخرى تقذف مواد حارقة، وإعلان كييف عن استخدام أول صاروخ باليستي من إنتاجها.
غير أن أهمية كل هذه المظاهر تتراجع أمام مظاهر تصعيد من نوع آخر، هو اتساع نطاق الحرب ليشمل أطرافها غير المباشرين، ففي البداية كان واضحاً أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية بصفة عامة قد اصطفت خلف أوكرانيا، وإنْ على نحو غير مباشر، بمعنى تزويدها بالسلاح والمعلومات الاستخبارية والمساعدات الاقتصادية. وقد مكّن هذا أوكرانيا من الصمود أمام القوة الروسية، بل لقد بدأت في الآونة الأخيرة توجيه ضربات نوعية لروسيا، وإن لم تنل من المكاسب الإقليمية التي حققتها الأخيرة في الحرب حتى الآن. غير أنه يمكن القول بأن التوتر بين روسيا والدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا قد تصاعد مؤخراً إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة، حيث بدا أن احتمالات مواجهة مباشرة بين الطرفين لم تَعُد مستبعدة تماماً. وثمّة مظاهر عديدة لهذا التصعيد، منها القفزة الحادة في الهجمات السيبرانية التي شهدتها الساحة الأوروبية، وهي هجمات استهدفت البنيةَ التحتيةَ والمواقعَ اللوجستيةَ المرتبطةَ بالمساعدات المقدمة لأوكرانيا، كما في حادثة الطائرة المسيّرة المفخخة في مطار لايبزج بألمانيا، وعمليات التخريب في محطات الاتصالات ببولندا. كذلك رُصدت اختراقاتٌ من طائرات ومسيّرات روسية للأجواء الأوروبية فوق فنلندا وبولندا ودول البلطيق. ومن ناحية ثالثة زادت روسيا من حدّة نبرتها الدبلوماسية، حيث وجّهت تحذيرات صريحة لحلف «الناتو» بالجاهزية لاستخدام السلاح النووي، خاصة في ظل التوترات المتزايدة حول جيب كالينيجراد الروسي المطل على بحر البلطيق. وبالمقابل بدأت الدول الأوروبية، ومعها الناتو، علنياً في إعداد خطط طوارئ لحماية منشآتها الحيوية ضد ضربات محتملة، وسط تقارير استخباراتية غربية تُحذّر من احتمال اختبار روسيا للمادة 5 من ميثاق الدفاع المشترك في الناتو، عبر توجيه ضربة محدودة أو القيام بتحرشات عسكرية لإحدى دول الحلف.
ومن حُسن الحظ أن السياسة الأميركية الراهنة ليست جزءاً من هذا التصعيد الخطير، إذ من المعلوم أن الرئيس ترامب كان قد أبدى اهتماماً منذ حملته الانتخابية الرئاسية (2024) بتسوية الحرب الأوكرانية، وكرّر القول بأنه لو كان قد استمر رئيساً لما نشبت الحرب أصلاً، كما قدّم أفكاراً جديدةً كان من المفترض أن تُسَهِّل الوصولَ لتسوية، كعدم ممانعته في تقديم أوكرانيا تنازلات إقليمية لروسيا، وعدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو.. وامتداداً لهذا النهج نجحت الدبلوماسية الأميركية، في يناير2026، في كسر الجمود بين روسيا وأوكرانيا من خلال جمع ممثلين عنهما في دولة الإمارات، صاحبة الرصيد الإيجابي المتميز في أدوار الوساطة الدولية. وثمّة تفكير في اجتماع ثانٍ يؤمّل أن يمثّل خطوة أولى في مجال بناء الثقة بين الطرفين، بالإضافة إلى جهود المبعوثين الرئاسيين، ويتكوف وكوشنر.
ومع أن التناقض الجذري بين مطالب الطرفين يبقى تحدياً رئيسياً أمام التوصل لتسوية، فثمّة أمل في أن تؤدّي جهود الوساطات المبذولة إلى منع انزلاق المواجهة نحو صدام مباشر بين روسيا والدول الأوربية الداعمة لأوكرانيا.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


