تقيّد الأزمة الاقتصادية قدرة إيران على إطالة المواجهة. فقد ارتفعت الأسعار في سبتمبر الماضي بمقدار 89.8% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بعدما تجاوز تضخم أسعار الغذاء 128% خلال الصيف، بالتزامن مع تراجع الإيرادات النفطية.
ومع استمرار الحصار والضغوط على التجارة، تواجه طهران أزمة معيشية متصاعدة وتزداد صعوبة تمويل أدوارها خارج الحدود. وتغذي اختلالات الموازنة والتوسع النقدي ارتفاع الأسعار من الداخل، إلى جانب آثار الحرب والعقوبات. ويدفع العجز النظام إلى تمويل جزء من إنفاقه عبر الجهاز المصرفي وزيادة المعروض النقدي، ما يفاقم المشكلة الاقتصادية. وحتى السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً لنهاية العام الإيراني تفترض بقاء التضخم مرتفعاً.
وهو ما يفسر تنويع واشنطن في استراتيجيتها بين الأدوات الاقتصادية والإبقاء على الخيار العسكري لتضييق هامش الحركة أمام طهران. حاول النظام الإيراني نقل جزء من تكلفة المواجهة إلى الخارج عبر مضيق هرمز. واستخدم تعطيل الملاحة ورفع مخاطر العبور للتأثير في الأسواق والدول المستوردة، لكن النتائج لم تسر كما أراد. فقد استعادت صادرات الطاقة من دول الخليج والعراق في سبتمبر جانباً كبيراً من مستويات ما قبل الحرب، بفضل خطوط الأنابيب والموانئ البديلة وترتيبات النقل بين السفن، بينما هبطت الصادرات الإيرانية تحت وطأة الحصار البحري الأميركي.
وأصبحت ورقة هرمز تفرض ثمناً باهظاً على طهران نفسها. نجاح دول الخليج والعراق في تقليل تداعيات تعطيل الملاحة لم يلغِ الأعباء الجديدة التي فرضتها الحرب. فارتفاع أقساط التأمين وأجور الشحن وتكلفة حماية السفن، إلى جانب الإنفاق على المرافئ والمخزونات الاستراتيجية، يرفع نفقات التشغيل. وتمتد التداعيات إلى الخدمات اللوجستية والسياحة وجاذبية الاستثمار كلما طال التوتر في طرق التجارة. ويستلزم تقليل آثار الضغط الإيراني موارد إضافية لضمان انسياب السلع. وأصبح باب المندب امتداداً لمحاولة إيران التأثير في الممرات البحرية، مستفيدة من قدرات الحوثيين على تهديد السفن في البحر الأحمر.
غير أن توسع الجماعة نحو الساحل الغربي فتح ساحة مواجهة أكثر حساسية، مع تقدم القوات الحكومية وتعزيزها بقوات العمالقة الجنوبية. ولا تزال الأوضاع الميدانية متغيرة، لكن التطورات الأخيرة تجعل استخدام المضيق في الصراع الإقليمي أكثر صعوبة. ولم يؤد انتهاء سبتمبر إلى حسم ملف الفصائل المسلحة في العراق، واتجهت المناقشات نحو تنظيم السلاح واحتواء المليشيات داخل «الحشد الشعبي» بدلاً من تفكيكها. وتحتفظ بعض الشبكات بقدرتها على العمل بأسماء وهياكل متغيرة، بما يتيح لطهران الحفاظ على قنوات نفوذ أقل ظهوراً من الحوثيين وأكثر اندماجاً في البيئة السياسية العراقية. لذلك تتعامل طهران مع كل ساحة وفق ظروفها وموازينها، وتكيّف أسلوبها بحسب البيئة المحلية.
لكن بقاء التشكيلات المرتبطة بها يفرض تحديات أمنية وسياسية على الدول التي تنشط فيها، ويحتاج إلى تمويل يصبح توفيره أصعب مع تفاقم الأزمة المالية الإيرانية. وتحتاج دول الخليج إلى التعامل مع استمرار النشاط الاقتصادي باعتباره جزءاً من الأمن الوطني. والإمارات نموذجٌ، إذ تساعدها الاحتياطيات المالية وتنوع مصادر الدخل والاقتصاد وكفاءة المؤسسات على امتصاص الصدمات والحفاظ على دورة الأعمال.
ويحد ذلك من أثر الضغوط الخارجية على الاستقرار الداخلي، ويصعّب تحويلها إلى مكاسب سياسية. لا يبدو النظام الإيراني في موقع يسمح له باستنزاف طويل للمنطقة. فكل شهر إضافي يفرض عليه التزامات اقتصادية أكبر، بينما يتراجع مردود تحركاته الخارجية إذا لم تتغير حسابات خصومه. لذلك يتوقف ميزان المواجهة على من يستطيع الصمود مدة أطول بأقل خسائر، وهي معادلة تضع التكلفة والوقت في صلب الصراع الحالي.
*كاتب إماراتي


