كثّفت الهندُ جهودَ حملتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة للفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وذلك لفترة ولاية دورية مدتها عامان (2028-2029). ويضم مجلس الأمن خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض «الفيتو»، إضافة إلى عشرة أعضاء غير دائمين يشغلون مقاعدهم لفترة محددة مدتها عامان، مع مراعاة تمثيل مختلف التكتلات. غير أن تركيز الهند ينصبُّ في الوقت الراهن على الفوز بمقعد غير دائم، إذ سيتيح لها هذا المقعدُ ممارسةَ نفوذ دبلوماسي وتمثيل مصالح واحتياجات دول الجنوب العالمي. وخلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخراً، شدّدت الهند على ضرورة أن تعكس الهيئة الأممية تمثيلاً أفضل لدول الجنوب العالمي. وتتمثل الانتقادات الرئيسية التي توجهها الهند للأمم المتحدة في أن المنظمة لا تعكس الواقع المتغير للنظام العالمي، وأن الاقتصادات الناشئة ودول الجنوب العالمي لا تحظى بتمثيل كاف، حيث ترى الهند أن مجلس الأمن لم يَعُد مواكباً للواقع الراهن للتكتلات الدولية.وأكد وزير الشؤون الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، الذي مثّل بلاده في الحدث، على أهمية إيصال صوت دول الجنوب العالمي وتسوية النزاعات القائمة لما فيه مصلحة العالم. كما شدّد على أن معالجة صراعات اليوم وأوجه عدم المساواة العالمية لا يمكن أن تتم إلا من خلال السلام والتعاون والتنمية واحترام التنوع الوطني، وإصلاح النظام الدولي بما يمنح صوتاً أقوى لدول الجنوب العالمي.
وتمثّلت رسالة الهند خلال هذا المحفل الدولي في ضرورة تحوّل العالم بعيداً عن الصراعات والمواجهات والمنافسة القائمة على مبدأ «مكسب طرف وخسارة الآخر»، ونحو السلام والتعاون والتنمية الشاملة ونظام متعدد الأطراف أكثر تمثيلاً. وتكتسب عضوية مجلس الأمن أهمية خاصة للهند في المرحلة التي يواجه فيها العالم تحديات متعددة. إلا أن فوزها بالمقعد هذه المرة لن يكون أمراً مضموناً أو تلقائياً، نظراً لأن طاجيكستان، التي تسعى للانضمام إلى مجلس الأمن للمرة الأولى، تحظى بتأييد عدد من التكتلات الدولية، في حين تمتلك الهند رصيداً كبيراً من القبول والدعم الدبلوماسي بفضل عضويتها السابقة في المجلس لثماني دورات. ولا تُعد الهند واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم فحسب، بل إنها أيضاً أحد أبرز المساهمين تراكمياً في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، إذ أرسلت أكثر من 300 ألف فرد للمشاركة في ما يزيد على 50 بعثة منذ عام 1948.
وتتمحور الحملة الهندية حول مبادرة «شانتي»، وهي اختصار لعبارة تعني «تأمين التقدم الشامل من خلال القواعد والثقة والنزاهة». وتؤكد الحملةُ أهميةَ القواعد الدولية. كما ترتبط المنافسةُ على المقعد غير الدائم بالنسبة للهند بمسعى أوسع لتوسيع المقاعد الدائمة في مجلس الأمن. وتكتسب عضوية مجلس الأمن أهميةً بالغة للهند، باعتباره أحد أهم أجهزة الأمم المتحدة. وقد ساعدت نيودلهي في الماضي دولاً أخرى على إدراج قضاياها ضمن جدول أعمال المجلس، كما عملت مع الأعضاء الدائمين للدفع بأجندة تخدم مصالح «الجنوب العالمي». ومع ذلك، ثمّة هدف أشمل وأكبر يتمثل في المضي قُدماً في حملة مستمرة منذ عقود لنيل عضوية دائمة في مجلس الأمن.
وترى الهند أن الحصول على مقعد غير دائم يمثّل فرصةً لممارسة نفوذ دبلوماسي، وتمثيل «الجنوب العالمي»، وتوجيه مسار النقاشات، وتعزيز مساعيها للحصول على مقعد دائم. وتُعد الهندُ جزءاً من «مجموعة الأربعة» - التي تضم أيضاً اليابان وألمانيا - والتي لطالما طالبت بتوسيع مجلس الأمن.
وبالمثل، تطالب الدول الأفريقية أيضاً بتمثيل لها، حيث تجادل جميعُها بأن العالَمَ قد تغيّر منذ عام 1945 حين تأسست الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأن أجزاء واسعة من العالم تفتقر للتمثيل الكافي. ويُعد هذا الإصلاح مطلباً رئيسياً تسعى إليه الهند على وجه الخصوص، بصفتها الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان وصاحبة الاقتصاد الأسرع نمواً.ومع ذلك، سعت الدول الخمس دائمة العضوية إلى حماية نفوذها. وقد أثيرت تساؤلاتٌ عديدة حول فاعلية الأمم المتحدة ومجلس الأمن في ظل تزايد تفتت النظام العالمي، وظهور مؤشرات على ابتعاد دول مثل الولايات المتحدة عن نهج العمل متعدد الأطراف.
ومع ذلك، وكما أكدت الدورة الـ81 للجمعية العامة، لا تزال الأمم المتحدة هيئة دولية تحظى بأهمية بالغة، حيث عرض المتحدثون وجهات نظرهم، واستمرت الدبلوماسية على هامش الاجتماعات. وفي ظل ذلك، فإن وصف الأمم المتحدة بأنها هيئة منتهية الصلاحية لا يصمد أمام الواقع، ويظل الطريق الوحيد للمضي قُدماً هو إصلاح المنظمة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


