سرّعت مغامرة «حماس» في 7 أكتوبر 2023 تغيرات واسعة في الشرق الأوسط خلال ثلاث سنوات. فامتدت الحرب من غزة إلى لبنان، ووصلت المواجهة إلى إيران، بينما شهدت سوريا سقوط نظام الأسد ضمن تحولات سياسية وعسكرية. ومع دخول السنة الرابعة، تبدلت موازين القوى وأولويات دول المنطقة، دون استقرار ترتيبات الأمن أو وضوح صورة النظام الإقليمي المقبل.
انتهت حسابات المفاجأة العسكرية إلى نتائج كارثية على غزة، بعدما أساءت «حماس» تقدير عواقب هجومها. راهنت الحركة على اتساع الجبهات وضغوط دولية تدفع إسرائيل إلى التراجع، لكن الحرب خلّفت خسائر بشرية ودماراً واسعاً، وأضعفت قدرات التنظيم القتالية من دون إنهاء نفوذه. ورغم تأسيس مجلس السلام وتشكيل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، لم تتمكن من تسلّم مهامها، مع تعثر نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي. ودفع الشعب الفلسطيني الثمن الأكبر لقرار لم يشارك في اتخاذه.
واستفادت إسرائيل من تفوقها العسكري في استهداف خصومها وتوسيع نطاق عملياتها، لكنها اتجهت أيضاً إلى تكريس مناطق عازلة في غزة وجنوب لبنان وسوريا. وأدى التركيز على السيطرة الميدانية إلى تعقيد فرص التسوية، خصوصاً مع استمرار الاستيطان في الضفة الغربية. ويثير وجود القوات الإسرائيلية في أراض عربية خلافات بشأن السيادة والانسحاب، ويهدد بمواجهات جديدة.
تراجع النفوذ الإيراني بعد إضعاف «حزب الله» وخسارة حليف طهران في دمشق والضربات التي طالت إيران. وكشفت تجربة «وحدة الساحات» اختلاف حسابات الجماعات المرتبطة بها، إذ تفاوت انخراطها في المواجهة وفق مصالحها المحلية وقدراتها العسكرية. ومع احتفاظ بعضها بالسلاح والنفوذ السياسي، تبقى قادرة على التأثير في قرارات الدول وعرقلة جهودها لبسط السلطة.
تمضي سوريا الجديدة في الانفتاح على محيطها العربي وجذب رؤوس الأموال وإحياء طرق التجارة نحو البحر المتوسط، بعد سنوات من العزلة والحرب. ولا يزال لبنان يواجه أزمات سياسية واقتصادية، تتطلب حصر السلاح بيد الدولة واستعادة ثقة المستثمرين. وبينما تتقدم دمشق في مسار التعافي، يبقى استقرار البلدين مرتبطاً بانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيهما، وتنفيذ الإصلاحات وضبط الحدود وضمان استقلال القرارين السياسي والعسكري عن الجماعات المسلحة.
ولم يحسم تمديد مهلة حصر سلاح الفصائل العراقية حتى يونيو 2027 مسألة خضوعها للقيادة العسكرية، وسط رفض جماعات مرتبطة بطهران للامتثال. أما «الحوثيون»، فصعّدوا اعتداءاتهم على المنشآت المدنية السعودية بالتزامن مع المعارك حول باب المندب، ما هدد أمن الخليج والملاحة الدولية. وبين الخلاف على التنفيذ في بغداد ومحاولة فرض الشروط بالقوة في اليمن، يبقى قرار الحرب والسلم خارج السيطرة الكاملة للدولة، وخاضعاً لتأثير التنظيمات ومصالح داعميها.
تتجه الدول العربية إلى توسيع دورها في ترتيبات الأمن الإقليمي، بعدما أظهرت الحروب أثر القرارات العسكرية على مصالحها الاستراتيجية. وتتبنى الإمارات مقاربة تربط احترام سيادة الدول بتنويع الشراكات الاقتصادية والدفاعية، وتساند جهود إعادة إعمار غزة واستقرار لبنان وسوريا. وتسعى أبوظبي إلى تعزيز الحضور العربي في مسارات التسوية، لتشارك العواصم الفاعلة في صياغة التفاهمات بدلاً من انتظار نتائج المواجهات.
أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى صدارة الحسابات العربية والدولية، ورفعت الكلفة السياسية لأي توسع جديد في العلاقات مع إسرائيل. فقد صمدت الاتفاقات القائمة، لكن تطوير الشراكات بات أكثر ارتباطاً بمستقبل غزة والضفة الغربية وتحقيق حل الدولتين. وتتيح قنوات الاتصال بين أبوظبي وتل أبيب فرصة للدفع نحو وقف الاستيطان واستئناف المفاوضات. وتتطلب أي تسوية جدية إصلاح السلطة في رام الله وإعادة تشكيل قيادتها، بما يؤهلها لتولي مسؤوليات الحكم وتنفيذ الالتزامات المقبلة.
ستتحدد ملامح الشرق الأوسط في ظل حضور عسكري إسرائيلي-أميركي مؤثر، وتراجع نفوذ إيران ووكلائها. ولم تفضِ الحروب إلى تفاهمات تنهي النزاعات القائمة أو تعالج أصل الخلافات. وبعد ثلاث سنوات، تتضح حصيلة مغامرة 7 أكتوبر في أن «حماس» فتحت مواجهة تجاوزت حساباتها وأطلقت تداعيات عجزت عن توجيهها لمصلحتها. ويبقى الاستقرار مرهوناً بتسويات سياسية تقودها الدول الإقليمية المؤثرة، قبل أن تصبح نتائج المعارك أسباباً لصراعات جديدة.
*كاتب إماراتي


