أثارت سلسلة الهجمات الإلكترونية التي هزّت الشركات اليابانية خلال الأسابيع الأخيرة القلق، ليس بسبب أساليب اختراق جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بل بسبب حجمها الهائل.
وقد وصف رئيس هيئة الأمن السيبراني التابعة للحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الوضع بأنه «حالة طوارئ في الفضاء الإلكتروني». وقد تأثرت شركاتٌ عديدة، منها شركة الوساطة المالية «دايوا سيكيوريتيز غروب»، وشركة «آي دي سي فرونتير» التابعة لشركة «سوفت بنك» والمتخصصة في الحوسبة السحابية، وشركة تشغيل السكك الحديدية «جيه آر إيست»، وسلسلة متاجر «لوسون»، ومنصة تأجير السيارات «تايمز»، وحتى شركة تشغيل أنظمة الكاريوكي وسلسلة مطاعم اللحوم المشوية. وقد كان من الصعب تتبُّع هذا الكم الهائل من الحوادث.
ووفقاً لشركة «تريند مايكرو» للأمن السيبراني، تجاوز عدد الاختراقات المعلنة، التي استهدفت بيانات العملاء حتى نهاية سبتمبر، إجمالي عدد الاختراقات المسجّلة طوال العام الماضي. وبينما تراجعت هجمات برامج الفدية عالمياً بنسبة 3% بين يوليو 2025 ويونيو 2026، قفزت في اليابان بنسبة 67%. وربما لا يمثّل ذلك سوى جزء ضئيل من المشكلة.
وأعلنت مجموعة «كيلين» الإجرامية السيبرانية، مسؤوليتها عن الهجوم الذي استهدف شركة «أساهي» القابضة للمشروبات العام الماضي، وقالت إنه من المرجّح أن تتزايد الهجمات على الشركات والوكالات الحكومية اليابانية، مضيفة أن ذلك ليس تهديداً، بل رأي الخبراء، إذ أن اليابان تمتلك أحد أسوأ أنظمة أمن الحاسوب في العالم.
قد لا تحظى الاختراقات التي تستهدف صالات الكاريوكي ومطاعم الشواء بالاهتمام نفسه الذي تحظى به التهديدات الوشيكة الناجمة عن الأنظمة المارقة. لكن موجة الهجمات تكشف كيف جعلت أدوات الذكاء الاصطناعي العثور على الثغرات الأمنية القديمة واستغلالها أسهل وأقل تكلفة، مع أتمتة العملية. ووصف رئيس شركة «إس آند جاي» للأمن السيبراني، ومقرها طوكيو، النتائج لوكالة رويترز بأنها أشبه بـ«قصف شامل تنفّذه آلة لا تعرف التعب».
وحوّل كثيرون في قطاع الذكاء الاصطناعي نقاش السلامة إلى التهديدات الوجودية المفترضة، بينما تتفاقم الأضرار الأكثر إلحاحاً أمام أعين الجميع. وإذا عجزت الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي عن التصدي للثغرات التي يسهل استغلالها، فلا مبرّر للثقة بقدرتها على التنسيق لمواجهة أخطار المستقبل. وما يحدث في اليابان اختبار مبكر لبقية العالم.
وتتعامل طوكيو مع المشكلة كمسألة بالغة الأهمية، فعقدت اجتماعاً مشتركاً بين الوزارات منذ أيام، وحثّت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما المؤسسات المالية على مراجعة دفاعاتها فوراً. كما أعلنت الحكومة تحذير نحو ألف مجموعة صناعية من ضرورة اتخاذ الخطوة نفسها. لكن بعض الإرشادات الرسمية لا تزال سطحية، إذ تقتصر على فحص السجلات لرصد الأنشطة غير الطبيعية، وسد الثغرات، ومراجعة البيانات التي ينبغي الاحتفاظ بها، وهي إجراءات لا ترقى إلى استراتيجية متكاملة في عصر الذكاء الاصطناعي.
ورفعت الحكومة معايير الأمن، لا سيما للبنية التحتية الحيوية، وأصبحت الشركات الكبرى أكثر ميلاً إلى تعزيز أنظمتها. لكن الشركات الصغيرة والمتوسطة تُمثّل نحو 99% من الشركات، فيما تفتقر نحو 70% منها إلى أنظمة دفاع سيبراني ملائمة، وفقاً لمسح أجرته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة. وقد تصبح تلك الشركات أهدافاً سهلة لتعطيل شبكات المورّدين الواسعة التي تقوم عليها الشركات اليابانية.
وتدرك طوكيو أن نقص الكفاءات المتخصصة يجعل البلاد عرضة للخطر، لكنها تحتاج إلى استثمارات وجهود تدريب مستدامة. وينبغي للحكومة جعل القدرة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية معياراً أساسياً، مثل الاستعداد للكوارث الطبيعية، والتعامل معها كحالة طوارئ.
ولا تقتصر المشكلة على اليابان، فقد شهدت كوريا الجنوبية منذ أيام هجمات استهدفت بنوكاً كبرى وكنائس عملاقة. ورجّحت شركة «كراود سترايك» الأميركية أن يكون وراء هجمات البنوك طرف يسعى إلى مكاسب مالية، باستخدام أداة للذكاء الاصطناعي الوكيل، إلى جانب أداة «كلود كود» التابعة لشركة «أنثروبيك». وفي الشهر الماضي، أعلنت أستراليا أن وكيلاً للذكاء الاصطناعي تابعاً لشركة «أوبن إيه آي» وصل دون تصريح إلى بوابة حكومية للخدمات الصحية. وتؤكد تلك الحوادث ضرورة تبادل المعلومات سريعاً بين الحكومات والقطاع الخاص لمواجهة تهديدات عابرة للحدود.
ويقع على عاتق شركات الذكاء الاصطناعي مسؤولية أيضاً، فإذا كانت منتجاتها تخفّض تكلفة الهجمات والخبرة اللازمة لتنفيذها، فعليها المساعدة في منع إساءة استخدامها وتوفير الأدوات والتدريب للمدافعين. إذ أن مواجهة الهجمات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي بدفاعات تقليدية لم تَعُد مجدية، وينبغي للحكومات تسريع اعتماد أنظمة أمن حديثة، خاصة لدى الشركات محدودة الموارد.
وحتى الآن، استهدف المهاجمون في اليابان بيانات العملاء في الغالب. لكن الهجمات لن تتوقف عند هذا الحد، ولا ينبغي لبقية العالم أن يتوقع بقاء هذا التهديد محصوراً في اليابان فحسب.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتبة متخصصة في قطاع التقنية الآسيوي


