على الرغم من التحديات كافة التي واجهها الاقتصادُ العالمي، فإنه لا يزال يتمتع بصلابة لافتة. فأسعار الفائدة المرتفعة لم تؤدِ حتى الآن إلى تباطؤ النمو، في حين يساهم الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة طفرة استثمارية.
لكنّ هناك حدوداً لقدرة هذا النمو على الاستمرار، وهو نمو قام صندوق النقد الدولي بتحديث توقعاته بشأنه منذ أيام. وسيلعب الحظ والقدرة على قراءة الإشارات الصحيحة من الأسواق دوراً في هذا السياق.
ولا يخلو التوسع الاقتصادي من المشكلات، فالارتفاعُ الحاد في أسعار الطاقة يفاقم المعاناة، والظواهر الجوية المتطرفة ترفع أسعارَ السلع الأولية، فيما يقلق بعض صانعي السياسات من الإفراط في الإنفاق على التقنيات الضرورية لمراكز البيانات. ومن المشروع التساؤل عما سيحدث لاحقاً: هل سيكون التباطؤ الحتمي محدوداً، كما حدث بعد انهيار شركات الإنترنت عام 2001، أم سيكون عميقاً، مثلما حدث بعد انهيار مؤسسة «ليمان براذرز» عام 2008، أو الإغلاقات التي فرضتها جائحة كوفيد؟
 ستجد البنوكُ المركزيةُ والسلطاتُ الماليةُ نفسَها مطالبةً بالتدخل مجدداً. لكن تطبيق مبدأ «فعل كل ما يلزم»، الذي اشتهر به ماريو دراجي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، لن يكون بالضرورة سهلاً.
لقد أوشكت الميزانيات العامة في عدد من الاقتصادات المتقدمة على النفاذ، فيما تشكك أسواقُ السندات في قدرة السياسيين على وضع المالية العامة على مسار مستدام. وفرنسا، حيث خرج الطلاب إلى الشوارع وقفزت أسعار الفائدة طويلة الأجل، ستحتاج إلى حزمة إنقاذ أكبر بكثير مما قد تحتاج إليه البرتغال أو اليونان أو اقتصاد ناشئ متوسط الحجم.
لكن لحظة الحساب لا تزال بعيدةً في الوقت الراهن. فقد توقع صندوق النقد الدولي تسارعَ النمو العالمي إلى 3.4% عام 2027، مقابل 3.1% العام الحالي، وهي نتيجة أفضل قليلاً من التوقعات السابقة. وستظل الولايات المتحدة والصين في الصدارة، إذ يُرجح أن يتجاوز الأداء الأميركي التوقعات قليلاً، فيما يُتوقع نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4%، دون تغيير في التقديرات السابقة. أما فرنسا، بؤرة موجة بيع السندات في الاقتصادات المتقدمة، فتواجه آفاقاً أكثرَ قتامة.
ولا تستدعي التوقعاتُ، التي أُعلنت خلال الاجتماع السنوي للصندوق في بانكوك، الاحتفالَ بقدر ما توضح أن الأسوأ لم يحدث بعدْ. فمنذ عام، كان العالم يستوعب الرسوم الجمركية الأميركية الباهظة، فيما أثار مستقبل الدولار قلقَ المتعاملين. لكن الدعوات إلى «بيع الأصول الأميركية» خبَت، كما أن ارتفاع أسعار النفط عقب الهجوم الأميركي على إيران لم يقوض التوقعات الاقتصادية.
ويساعد وضعُ التحديات الراهنة في سياقها الأوسع على فهمها، إذ يتطلب إخراج النمو من نطاق 3% صدمة كبيرة. فقد تسببت الجائحةُ في انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.7%، ودفع انهيارُ الرهن العقاري الثانوي الناتجَ قليلاً إلى المنطقة السلبية.
ويعتمد هذا السيناريو المتماسك ظاهرياً على تجنّب صانعي السياسات الأخطاءَ الجسيمة. وحتى الآن، تبدو تحركاتهم في الاتجاه الصحيح. ومن المرجح أن يرفع مجلسُ الاحتياطي الفيدرالي أسعارَ الفائدة مجدداً، بعدما زادها الشهر الماضي، فيما اتخذت البنوكُ المركزيةُ في أوروبا والهند وأستراليا إجراءاتٍ متشددةً مماثلة. ولا يزال التضخم أعلى من المستويات المستهدفة في حالات كثيرة.
لكن ماذا سيحدث عندما يواجه الاقتصادُ أزمةً حقيقة حادة؟ ومَن سيتدخل لإنقاذه؟ وهل سيكون التدخل بفاعلية ما شهدناه في فترات الركود السابقة؟ ستقع المسؤوليةُ في النهاية على البنوك المركزية، لأن الحكومات، المسؤولة عن السياسة المالية، تواجه وضعاً محفوفاً بالمخاطر. فقد أضعف الارتفاعُ الحاد في عوائد السندات قدرتَها على الاقتراض بأسعار تنافسية.
ويرى ثارمان شانموغاراتنام، رئيس سنغافورة، وزير ماليتها خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، أن ذلك قد يكون نعمةً مقنّعةً. فالاضطرابات في أسواق الدخل الثابت تمنح القادةَ فرصةً لترتيب أوضاعهم المالية، إذ غالباً ما تُبرم التسويات بشأن الميزانيات عندما تلوح عواقبٌ وخيمةٌ. 
ورغم أن الأمور قد لا تكون في أسوأ حالاتها، فمن النادر أن تأتي توقعاتٌ إيجابيةٌ نسبياً للاقتصاد العالمي محاطةً بهذا العدد من التحفظات، والتي قد تفوق أهميتها التوقعات الأساسية نفسها. ففي عام 1991، حين عقد الصندوقُ اجتماعَه الرئيسي الأخير في تايلاند، كانت البلاد وجاراتها على أعتاب سنوات من النمو الجامح. وكان الاتحاد السوفييتي قد انهار لتوه، وأصبحت العولمة والازدهار شعارَ المرحلة. ولم يتوقع سوى قلةٌ أزمةَ العملة والركود العميق اللذين اجتاحا آسيا قبل نهاية العقد، بعدما تخلت بانكوك عن محاولاتها لدعم «البات» التايلاندي. واليوم، يمضي اقتصاد تايلاند بوتيرة مقبولة، لكنه، كحال الاقتصاد العالمي، لا يحقق أداءً استثنائياً.

 

*كاتب متخصص في الشؤون الآسيوية
 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»