على غرار كتاب «الاستعارات التي نحيا بها» لجورج لايكوف ومارك جونسون، نقترح أن نتحدث عن «الكلمات التي نحيا بها»، إشارةً إلى أننا لا نستطيع أن نحيا حياة إنسانية خارج العلامات والرموز. فاللغة ليست وسيلة لتبادل المعلومات، وإنما هي نظام رمزي نعبّر به عن تجاربنا، وننظِّم بواسطته أفكارنا، ونمنح من خلاله للأشياء معانيها.
عرفت اللغة، عبر تاريخ الفلسفة، معالجات متعددة، منذ أن خصّها أفلاطون بمحاورته الشهيرة كراتيلوس، التي ناقش فيها علاقة الأسماء بالأشياء، وأفرد لها أرسطو كتابه باري أرمنياس. ولم يتوقف البحث الفلسفي في اللغة، ولا العمل على استكشاف أسرارها وإشكالاتها، حتى جاء فرديناند دي سوسير، فأسهم إسهاماً حاسماً في تأسيس اللسانيات الحديثة بكتابه «دروس في اللسانيات العامة»، الذي نُشر بعد وفاته سنة 1916. وقد أصبح هذا الكتاب أحد النّصوص المؤسِّسة للسانيات المعاصرة.
غير أن الفلسفة لم تتوقف عن مساءلة اللغة، فقد تجدّد الاهتمام بها مع الوضعية المنطقية، كما اتسع البحث الفلسفي في اللغة مع عدد من اللسانيين والفلاسفة الذين جعلوا من الاكتشافات اللسانية مادة للتأمل في الإنسان والمعنى والثقافة.
ما أصل اللغة؟ هل تقوم العلاقة بين الأسماء والأشياء على طبيعة الأشياء نفسها، أم على المواضعة والاصطلاح؟ كان هذا أحد الأسئلة الكبرى التي ناقشها أفلاطون في كراتيلوس. وما أصل اللغة؟ أهي توقيفٌ ووحيٌ، أم اصطلاحٌ وتوفيق؟ ذلك سؤال ناقشه ابن جني في «الخصائص»، ضمن بحثه حول نشأة اللغة وطبيعتها. وهكذا أصبح البحث في أصل اللغة بحثاً في أصل القدرة الإنسانية على إنتاج المعنى.ثم اتجه البحث، مع أرسطو وشُرّاحه، إلى تحليل القول، وأجزائه وشروط صدقه وكذبه في «كتاب العبارة». ثم تابع فلاسفة الإسلام هذا البحث في شروحهم للكتاب. ومن أفلاطون وأرسطو انطلق مسارٌ طويل من التأمل الفلسفي في اللغة، حقق إنجازات كبرى عبر العصور، ولا سيما في الفلسفة المعاصرة. ونتحدث اليوم عن «المنعطف اللغوي» في الفلسفة، بالنظر إلى المكانة المركزية التي اكتسبها تحليلُ اللغة في فهم الفكر والعالم.
ولم يَعُد ممكناً اختزال وظيفة اللغة في مجرد التّواصل فقط. فقد ميّز جاكوبسون بين ستّ وظائف أساسية للغة: الوظيفة المرجعية، والوظيفة التّعبيرية، والوظيفة الإيعازية، والوظيفة الانتباهية، والوظيفة الميتالغوية، والوظيفة الشعرية. بل إن بعض اللّسانيين المعاصرين، وفي مقدمتهم تشومسكي، شكّكوا في اعتبار التّواصل الوظيفة الأساسية التي تفسّر طبيعةَ اللغة ونشأتها. فاللغة، في تصوره، قدرةٌ ذهنيةٌ داخلية تتّصل أولاً ببناء الفكر وصياغة التعبير.
وإذا كانت اللغة تتيح التّواصلَ، فإنها قد تصبح وسيلةً لتعطيله أو إرباكه أيضاً، لأن استعمالاتها قد تنطوي على الغموض والالتباس، وقد يُتعمّد توظيفها لإخفاء المعنى أو توجيه فهم المخاطَب. ويتأكّد هذا الإشكال عندما ننظر إلى اللغة بوصفها مجالاً لتعدّد الاستعمالات. وقد تحدّث فتغنشتاين عن «ألاعيب اللغة»، وبيّن أن معنى الكلمة لا ينفصل، في كثير من الحالات، عن استعمالها داخل ممارسة لغوية محددة. فمعنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. ومن هنا تنشأ مشكلات فلسفية عندما تُنقل الكلمات من سياق استعمال إلى سياق استعمال آخر دون مراعاة اختلاف قواعدهما، أو عندما نتعامل مع معنى واحد للكلمة كما لو كان صالحاً في جميع السّياقات. وقد يكون هذا الخلط مصدراً للالتباس والمغالطات، بل وللتضليل المتعمّد.وهنا تتجلى خطورة اللغة وقوتها معاً: إنها تستطيع أن توسع أفقَ الفهم، كما تستطيع أن تضيّق هذا الأفق، وأن تساعدنا على اكتشاف الحقيقة، كما تستطيع أن تحجب عنا بعض وجوهها.
وقد سبق لفتغنشتاين أن قرّر أن «حدود لغتي حدود عالمي»، مما يدعونا إلى التفكير في صلة ما نستطيع قوله بما نستطيع تصوره وفهمه. إننا لا نحيا بالكلمات لأننا نتكلم فقط، بل لأننا نفكر ونحكم ونحب ونختار داخل عوالم من المعاني تسهم الكلمات في بنائها. ومن هنا فإن تحرير التّفكير يقتضي تحريرَ علاقتنا بالكلمات: أن نسائل معانيها، ونفحص استعمالاتها، ونكشف ما قد تُخفيه من أحكام وفرضيات. ولعل السّؤال الفلسفي الأهم ليس: كيف نستعمل الكلمات؟ بل أيضاً: كيف تستعملنا الكلمات التي نحيا بها؟
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


