يستطيع عديمو الضمير الاحتفال بعد أسبوع بمرور ستين عاماً على اغتصاب أرض فلسطين العربية وتشريد شعبها. وسيتبارى مجرمو السياسة والحروب في إلقاء قصائد المديح وآيات التهليل. أما نحن العرب، وعلى الأخص مؤسَسات شعب فلسطين، فنحتاج إلى أن نطرح السؤال التالي: هل آن الأوان لتغيير مسار القضية الفلسطينية بشكل شامل وعميق؟ الجواب في اعتقادي هو نعم، وعلى كل الأصعدة. أولاً: هناك حاجة ملحة لتغييرات جذرية في المؤسسة السياسية الوطنية الفلسطينية. فالنظام والواقع السياسي الفلسطيني ارتبطا بشكل مفجع بشخصية الرئيس الراحل ياسر عرفات من خلال هيمنته التامة على "منظمة التحرير الفلسطينية" أولاً، ثم على السّلطة الفلسطينية التي قامت بعد اتفاقيات أوسلو ثانياً. وقد ارتكب الرئيس الراحل أخطاء كثيرة، لكنه على الأقل وضع في ذهنه خطوطاً حمراء لم يسمح لنفسه بتخطَّيها. إلا أن عرفات مات وخلَّف بعده فراغاً هائلاً في السياسة الفلسطينية، بسبب غياب ممارسة متطلبات المأسسة، سواء في منظمة التحرير أم في السلطة. في ظلّ الجهل والانتهازية السياسية، ما كان لهذا الفراغ إلاَ أن يقود إلى فاجعة الانقسامات الفلسطينية الحالية والمواجهة بين غزة ورام الله، وإلى دوامة عبث المفاوضات المسدودة مع العدو. ثانياً: النظام السياسي الجديد، يجب أن تضعه كل القوى السياسية الفلسطينية وقوى المجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة، ويجب أن يمثِّل الفلسطينيين في الداخل والخارج، في الأرض المحتلَّة وفي الشَّتات. وأول مسؤولياته أن يضع خطوطاً حمراء لا يتخطاها أحد على الإطلاق، وذلك بالنسبة لمواضيع مثل حقِّ عودة اللاجئين والقدس العاصمة، ومدى ومستوى وحدود المفاوضات، والعلاقات الفلسطينية مع العمق العربي والإسلامي، والدور الذي يسمح للأغراب أن يلعبوه... بل هناك أسئلة ملحَة تتعلق بمدى إمكانية العودة إلى فكرة الدولة الفلسطينية الواحدة بعد أن ثبت بصورة قاطعة أن الصهيونية وأميركا لن يسمحا قط بقيام دولة فلسطينية فاعلة وقادرة بجانب الكيان الصهيوني في الأرض المحتلة، كما تتعلق بمدى الضرورة لإرجاع القضية برمَّتها إلى أحضان هيئة الأمم المتحدة بعد أن فشلت أميركا، ومعها أوروبا، في أن يعيدا للشعب الفلسطيني ذرًّة واحدة من حقوقه، كما تتعلق بالعودة إلى مفاهيم الصِّراع العربي -الصهيوني بعد فشل مفهوم الصّراع الفلسطيني-الصهيوني. المهم في الموضوع كله أن ينقشع الغموض الحالي المحيط بكثير من جوانب هذا الملف، وأن تكون كل المواقف والقرارات مستقبلاً ممثِّلة لإرادة الشعب العربي الفلسطيني برّمَته، في الداخل والخارج، وذلك بالتنسيق التام مع الأمة العربية وليس بعض حكامها فقط. ثالثاً: إن القيادة الفلسطينية الرسمية الحالية لم ولن تستطيع قط الخروج من دوامة جدول الأعمال الذي تضعه أميركا بشأن الشروط الأمنية للكيان الصهيوني والشروط المستحيلة. ولذا آن الأوان للمؤسسة الجديدة المطلوب قيامها أن تضع جدول أعمال جديدا للشعب الفلسطيني لا يلتفت إلاّ لمصالح وحقوق الشعب الفلسطيني التي يرتضيها لنفسه وأن لا يسمح بعد الآن لبعض الضعاف أن يقضوا أيامهم ولياليهم في فكِّ ألغاز الأجندة الأميركية الصهيونية والاستمرار في لعبة توم وجيري العبثيَّة الواضحة. رابعاً: إن التشابك الحالي بين هذا الفصيل وتلك السلطة، بين هذه الشَّلة وتلك العائلة، بين هذه المدينة وتلك المقاطعة، بين من يبذلون أرواحهم وبين من يستجدون الفتات في شوارع العواصم الكبرى... هذا التشابك يجب أن يحسم بنظام سياسي يعبِّر عن كل الفلسطينيين ويؤدِّي إلى تقاسم الأدوار لمواجهة العدو وفي كل مكان وبكل الأشكال. عند ذاك لن يصاب الشعب الفلسطيني والشعب العربي بالدُّوار، إذ سيكون النضال الفلسطيني والعربي معبِّرين عن إرادة الشعب الواحدة الموحَّدة. د. علي محمد فخرو