يمكن تصنيف كتابنا هذا (قارة في المتناول: مأساة أفريقيا وأملها) ضمن كتب التغطية الصحفية ذات الطابع الإنساني التي لا يكتفي مؤلفوها - وهم غالبا من الصحافيين- بتغطية الأحداث التي تقع في المنطقة التي كانوا يتواجدون فيها بشكل ميكانيكي محايد، ولكنهم يحاولون رؤية تلك الأحداث من خلال منظورهم الشخصي. ومؤلف الكتاب الذي نقوم بعرضه في هذه المساحة هو الصحفي الأميركي الأفريقي المعروف هوارد دبليو فرنش، الذي تعلق قلبه بموطن أجداده إثر زيارة قام بها إلى القارة السمراء في ثمانينيات القرن الماضي، فسعى للعمل كمراسل لصحيفة نيويورك تايمز قبل أن يصبح بعد ذلك مديرا لمكتب الصحيفة في غرب أفريقيا. وفرنش يقدم لنا في هذا الكتاب، عرضا مفصلا لمعظم الكوارث التي ابتليت بها القارة الأفريقية خلال العقود الأخيرة، ومنها على سبيل المثال انتشار وباء الإيدز، ووباء الإيبولا (حمى الإيبولا النزفية) والمذابح المروعة التي وقعت في أنحاء متفرقة من القارة، وبلغت ذروتها في أعمال التطهير العرقي المفزعة في رواندا، وكذلك الحرب الأهلية في ليبيريا والاضطرابات التي حدثت في زائير وانتهت بسقوط نظام موبوتو سيسيكو. والقراء الذين لا زالوا يتذكرون تلك التغطيات الصحفية الرائعة التي قدمها فرنش للأحداث في فترة الثمانينيات، سيستمتعون في هذا الكتاب أيضا بأسلوبه الأدبي الرفيع وقدرته الكبيرة على توصيل الأثر الكارثي الذي خلفته الأزمات والأوبئة والحروب والمذابح على شعوب تلك القارة المنكودة. وفرنش لا يكتفي بسرد التفاصيل اليومية للحياة التي عاشها في تلك الفترة، ولكنه يقدم لنا إلى جانب ذلك لمحات موجزة وكاشفة للشخصيات الرئيسية التي لعبت أدوارا مهمة في تحديد مجرى الأحداث في أفريقيا خلال تلك السنوات ومنهم على سبيل المثال لا الحصر تشارلز تايلور في ليبيريا، وموبوتو في زائير، ومادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية
والمؤلف يضمن كتابه أيضا نقدا لاذعا وشديد المرارة لإدارة كلينتون التي يرى أنها قد تعاملت مع المذابح المروعة التي وقعت في غرب أفريقيا في تلك الفترة بمزيج من الاستخفاف والإهمال واللامبالاة. وهو يتهم تلك الإدارة، وكذلك كافة الإدارات السابقة عليها، بأنها قد دأبت على النظر إلى قارة أفريقيا باعتبارها مصدرا للنفط والمواد الخام والموارد الطبيعية ولا شيء أكثر من ذلك، دون أن تكلف نفسها عناء الاهتمام بمشكلات القارة ومآسيها. وفي الوقت الذي يتعرض المؤلف إلى الولايات المتحدة بالنقد المرير على موقفها المتخاذل واللامبالي تجاه مآسي القارة، فإنه يقوم بالثناء على موقف فرنسا الذي يقول إنه قد جاء على النقيض تماما من موقف أميركا، وإن فرنسا كانت حريصة دائما على التفاعل الإيجابي والمشاركة الفاعلة في حل مشكلات القارة التي ترتبط معها بروابط تاريخية وثقافية وسياسية متعددة. ويركز فرنش أيضا على الوباء الآخر الذي ابتليت به القارة – على حد وصفه – وهو وباء الفساد والطغيان. وهو في هذا السياق يقدم لنا عرضا مفصلا لسيرة أحد رموز الفساد في القارة وهو الرئيس الزائيري موبوتو سيسيكو الذي جثم على صدر شعبه لما يزيد على عقدين ونصف من الزمان. وفرنش، شأنه في ذلك شأن معظم الكتاب الأوروبيين والأميركيين من ذوي الضمائر الحية، الذين تخصصوا في الكتابة عن شؤون القارة الأفريقية، يتطرق أيضا إلى ما يصفه بالخيانة والخداع اللذين تعرضت لهما أفريقيا على أيدي دول الغرب التي استعمرت القارة في الماضي، واستنزفت ثرواتها، ثم تأبى الآن أن تمد يد العون إليها كي تساعدها على الخروج من واقعها البائس والنجاة من المصير المظلم الذي ينتظرها. وهو يقول إن ما يحدث في أفريقيا الآن ما هو إلا ثمار الخطيئة التي ارتكبها الرجل الأبيض أثناء الحقبة الاستعمارية بحقها. بيد أن فرنش لا يكتفي بالشجب وحده، أو يلجأ إلى الخطابة فقط، وإنما يقوم أيضا- مستفيدا في ذلك من خبرته الواسعة- التي اكتسبها خلال سنوات عمله مراسلا في القارة- بتقديم بعض النصائح والاستشارات التي تهدف لإرشاد الدول والمنظمات المانحة في الغرب، إلى الكيفية الصحيحة التي يمكنهم بها تخفيف المعاناة عن شعوب أفريقيا، وعلاج آثار المآسي والكوارث التي تعرضت لها القارة، والتي لا زالت تتعرض لها حتى اليوم.
وفرنش يرجع الكثير من الأمراض التي تشكو منها أفريقيا، والكوارث التي عانت منها إلى الحقبة الاستعمارية. وهو في هذا السياق يلقي باللوم على هؤلاء الساسة الأوروبيين الذين قاموا برسم خرائط القارة من مكاتبهم الوثيرة الواقعة على بعد آلاف الأميال، وقاموا بضم البلاد إلى بعضها بعضاً دون مراعاة للتجانسات الإثنية والدينية بين شعوبها، واضعين بذلك البذور التي ما انفكت تسبب القلاقل والحروب في تلك القارة حتى يومنا هذا. وحول هذه النقطة يستشهد فرنش بالعبارة التي تقول إنه لم يحدث في التاريخ، أن قام عدد قليل من الناس بالتسبب في هذا الكم من الأذى لهذا العدد الهائل من الناس مثلما حدث في أفريقيا. وعلى رغم أن تناول المؤلف لبعض الموضوعات التي كا


