عندما ظهرت النتائج الأولية للمرحلة الأولى من الانتخابات المصرية ودلّت المؤشرات على أن حزب "النور" السلفي قد جاء في مقدمة الأحزاب الفائزة بأصوات الناخبين، حيث جاء ترتيبه الثاني بعد حزب "الإخوان المسلمين"، استل بعض قادة السلفيين من قاموسهم مصطلحات ساخنة متطرفة كشف بعضها عن ميل لمصادرة الحريات وكشف بعض آخر عن احتقار للديموقراطية التي منحتهم فرصة الترشح والفوز بمقاعد برلمانية. لقد أضيفت هذه المصطلحات المتزمتة إلى رصيد سابق أدلى به بعض خطباء السلفيين لتثير فزع المصريين المتدينين من نزعة التطرف. من قبل كان خطيب سلفي شهير قد قال في تباهٍ أن من لا يعجبه نهج السلفيين الذين فازوا فيما أسماه غزوة الصناديق فإن عليه الخروج من مصر. لقد أدى هذا القول الخشن إلى لجوء أكثر من عشرة آلاف مصري إلى المحاكم الأميركية كما ذكر الصحفي عادل حمودة يطالبون بمنحهم حق اللجوء خوفاً من إهدار حقوقهم الدينية في مصر، وكان سندهم الوحيد في القضية هو الشرط الذي أدلى فيه الخطيب السلفي بهذا القول الخشن. وكما يقول الصحفي فإن المحاكم الأميركية قد منحت هؤلاء المصريين حق اللجوء. لم يكن هذا هو المؤشر الوحيد على أن المصريين المسلمين المتدينين في معظم لا يتآلفون مع هذا النهج الخشن في التدين، حيث جاء المؤشر الأكبر والأهم والأشد دلالة في نتائج انتخابات الإعادة على المقاعد الفردية. لقد قرر الناخبون المصريون معاقبة السلفيين الذين أصابهم غرور التطرف، وبالتالي منح معظم المصوتين المتدينين أصواتهم للإخوان المسلمين الذين أظهروا اعتدالاً وتعقلاً في خطابهم الديني. لقد جاء صوت الاعتدال الديني الجارف والمستقر تاريخياً في وجدان المصري منذ العصر الفرعوني ليعلن على نحو قاطع أن كل من يستخدم الدين كوسيلة للسيطرة على الناس والتحكم في أساليب حياتهم وقمع حرياتهم سيجد الإجابة الرادعة في صندوق الانتخابات. حصول "الإخوان" على 36 مقعداً في الانتخابات الفردية مقابل ستة فقط لحزب النور السلفي أمر ينطق بالدلالة على نوع القوة المتدينة التي يمكن أن يقبل غالبية المصريين بمنحها ثقتهم وأصواتهم. لقد أدت هذه النتيجة إلى صدمة لدى السلفيين، وتراجع بالتالي إحساسهم بالغرور، ومن هنا عمدوا إلى منع الشيخ عبدالمنعم الشحات المتحدث الرسمي للدعوة السلفية من الإدلاء بأية تصريحات تتعلق بحزب النور. صحيفة "المصري اليوم" أوردت هذا الخبر موضحة أن الدكتور يسري حماد المتحدث الإعلامي باسم حزب "النور" السلفي أوضح أن قرار منع الشحات من التعبير عن الحزب شمل أيضاً جميع أعضاء الحزب فيما عدا المتحدثين الرسميين. هذا القرار يعني أن المسؤولين السلفيين قد أدركوا أنهم دخلوا دائرة الرفض الشعبي المصري وأنهم يمكن أن يمنوا بخسارة جسيمة في المرحلتين الثانية والثالثة من الانتخابات، إذا استمر سيل الأقوال الخشنة وحالة التجبر والتكبر التي تلبست القادة السلفيين. كان الشحات قد أدلى بتصريحات وصف فيها أدب نجيب محفوظ بأنه ينشر الرذيلة والدعارة والمخدرات. الخسارة التي أوقعها هذا التصريح بصورة السلفيين وموقفهم من الأدب وحرية الإبداع اعترف بها المتحدث الإعلامي باسم حزب "النور" حيث قال بالنص: " ما قاله الشحات أثر بالسلب على نتيجة الانتخابات في جولة الإعادة، ما أدى إلى خسارة الحزب 20 مقعداً رغم أن كلامه لا يعبر إلا عن رأيه الشخصي". أعتقد أن المخاوف من سيطرة أي تيار ديني متشدد على الحياة المصرية هي مخاوف في غير محلها إذا وضعنا في الاعتبار الطبيعة المتدينة القائمة على الاعتدال عند المصريين والتي ترفض النقيضين نقيض الرذيلة والإباحية من ناحية، ونقيض الإكراه والتطرف الديني من ناحية ثانية.