تبدو هذه الزاوية و كأنها تستمد اسمها من موقعها الجغرافي ، فهي "تقع" في العمود الأخير ، في الصفحة الأخيرة ، أي على حافة ملحق "الاتحاد الثقافي"، و الوقوف على الحافة ليس محمود العواقب، خصوصا في زمن انزلاقات الجغرافيا و انغلاقات الأيديولوجيا.
هذا التوصيف ليس بالضرورة تبريرا لموقع نص في صحيفة دوارة، لكنه بالتأكيد محاولة لترسيم الحدود بين الحافة وما قبلها وما بعدها، في زمن عربي يعيش حالة انزلاقات متمادية وانغلاقات متأصلة، كأنما فوضى الجغرافيا والأيديولوجيا تعكس مفاعيلها من الراهن السياسي العام، إلى الراهن الثقافي الخاص·
يقف النص الإبداعي العربي، في أغلبه الأعم، على الحافة الخطرة: يشي ولا يقول، يومئ ولا يدل، يوغل في الحواشي ويرتبك أمام المتن، وذلك ليس عيبا تكوينيا، بقدر ما هو استغراق في المواءمة والمحاباة واتقان مفرط للعبة الكراسي الموسيقية·
وهو يشبه بالضبط الصورة السالبة لأصل كان طاغيا طيلة عقود، اتصف بالتمرد والمشاكسة والخروج على المألوف، حتى أصيب بالعقم·
هتف المثقف العربي كثيراً ـ حتى لا نقول صرخ ـ بكلمة ''لا'' الحاسمة، الرافضة، غير القابلة بالمساءلة والمناقشة، وحينما أزاحت كلمة ''نعم'' سابقتها، بدت متلاشية تماما كتلاشي زمنها·
لا يحتاج السياسي إلى المثقف، لكي يكون مرآة يرى فيها وجهه، فمراياه كثيرة، لكنه يحتاجه لكي يدله على انزلاقاته وانغلاقاته، هكذا كان حال الجنرال ديغول ـ على سبيل المثال ـ مع أندريه مالرو، انتخب بطل التحرير الفرنسي وزير ثقافته لأنه قال كفى، في زمن كانت تعني سلوك الطريق السريع نحو الموت·
وقف مالرو على الحافة وهو يخاطب ضابط جهاز الغستابو، في زمن الاحتلال النازي قائلا: ''ربما أحضرت إلى هنا لكي أعدم بالرصاص، لكنني لم أحضر لكي ترفع صوتك عليّ! كفى!''·
هذه ال ''كفى'' لا تشبه ال ''لا'' المطلقة، وتناقض تلاشيات ال ''نعم''، لأنها تشق سياقاتها بوعي، فأوصلت قائلها على الطريق السريع لاستعادة وهج ووجه فرنسا الثقافي بعد تشويهات الحرب العالمية الثانية·
هناك تشويه كثير أصاب الوجه الثقافي العربي، فقد مرت عليه حروب وصراعات مدمرة· هشمته ال ''لا'' ومسخته ال ''نعم''، وهو يحتاج إلى أن يقول لنفسه أولا ''كفى''·· ربما تنقله على الطريق السريع من الحافة إلى ما بعدها أو ما قبلها·
عادل علي..
__________________
adelk58@hotmail.com


